جراح الحرب: محاولات النساء للتعافي
مقبولة حامد شوقار
عندما يتحدث الناس عن الآثار التي تُخلفها الحروب ففي الغالب يدور النقاش حول الخسائر المادية والبشرية، ولكن ماذا عن الأثر النفسي الذي يظل عالقاً في نفوس العديد من النساء اللاتي عشن معاناة التشرد والفقدان والخوف.
تُعتبر الحروب والنزاعات المسلحة من الظواهر المدمرة التي تؤثر بشكل عميق على المجتمعات، فالحرب ليست مجرد صراع على الأرض أو على السلطة، بل هي كارثة إنسانية تُخلف آثاراً مدمرة تتجاوز ساحات المعارك، مما يؤدي إلى فقدان الأرواح وتفكيك الأسر، وخلال رحلة الفِرار، يُنتزع من الإنسان حقه في الحياة الكريمة، ويُلقى به في دوامة من العنف وفقدان المأوى. و قد أدى الصراع الذي اندلع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 إلى أكبر أزمة نزوح في العالم إذ تشرد أكثر من 11 مليون شخص، وفر نحو 3 ملايين منهم عبر الحدود إلى الدول المجاورة وذلك حسب ما جاء في موقع أخبار الأمم المتحدة في نوفمبر 2024.
في هذا المقال نلقي الضوء على واحدة من قصص النزوح مع امرأة عانت الكثير من الظروف القاسية، إضافة إلى لقاء مع مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل بوزارة التنمية والرعاية الاجتماعية أستاذة سليمى اسحاق، وكذلك لقاء آخر مع رئيسة منظمة زهرات المستقبل للسلام والتنمية ، الاستاذة جليلة خميس، حتى نتعرف منهما على الجهود الرسمية و الجهود الطوعية في رعاية ودعم النساء نفسياً وإجتماعياً.
هنالك الكثير من القصص التي تُروى في هذه الفترة العصيبة ومنها قصة غ .أ الفتاة الثلاثينية التي عاشت هي وأمها المريضة بالإضافة إلى طفلي أخيها الذين بقيا معها بعد انفصال والديهما حيث تزوجت الأم و سافر الأب للخارج لتحسين وضعه المالي، وقد عاشوا معاً ظروفًا قاسية في ظل الحرب المتصاعدة في الخرطوم حيث يوجد منزلهم، وكانوا محاصرين داخل منزلهم قرابة الشهرين من اندلاع الحرب، كانت غ. أ في حيرةٍ من أمرها فهي ترعى الطفلين، وكذلك والدتها امرأة كبيرة في السن وقليلة الحركة، وبعد أن شعرت بعدم الأمان فكرت في مسئوليتها تجاه أسرتها وقررت حمايتهم بالخروج بهم لمكان آمن، فاضطرت مع أسرتها إلى النزوح إلى أم درمان بحثاً عن الأمان ولم يكن الوصول سهلاً فقد مروا بالعديد من الصعاب والكثير من نقاط التفتيش التي تتبع قوات الدعم السريع. تعرضت غ .أ للعنف اللفظي والجسدي في واحدة من هذه الارتكازات وذلك لأنها طلبت منهم السماح لهم بالمرور، وتحملت الكثير من الإهانات في سبيل حماية أسرتها في هذا الوقت العصيب، وقد قضوا ساعات طويلة في الطريق ما بين الخرطوم وأم درمان، حيث كانوا يمشون مسافات طويلة سيراً على الأقدام وأحياناً يساعدهم بعض الأشخاص الفارين أيضاً بسياراتهم.
لم تكن حياتهم هناك يسيرة فعلى غ .أ الآن أن تعتمد على نفسها. في السابق، كانت تعمل في أحد المصانع، لكنها الآن لا تملك سوى القليل من المال وبالتأكيد إذا لم تجد عملاً فسوف ينتهي المبلغ الذي معها، وهناك بدأت حياة جديدة تعتمد فيها على نفسها لتوفير احتياجات أسرتها و رعاية والدتها المريضة. عملت لتأمين مصدر رزق لهم في تحدٍ واضح للظروف الصعبة التي فرضتها الحرب. عملت في مختلف المهن من غسيل الملابس، العمل في بيع الأكل، حتى جمعت القليل من المال لشراء بعض الأغراض الضرورية التي يحتاجها سكان الحي لتبيعها لهم وتجني منها بعض الأرباح، وبذلك استطاعت أن توفر نوعاً ما احتياجاتها هي وأسرتها. وفي مقابلة معها عبر الهاتف لمست مدى تأثرها نفسياً من هذه الظروف التي فرضتها الحرب عليها وعلى أسرتها حيث قالت: “من أصعب الحاجات الممكن تمر بالإنسان هو عدم الأمان وعدم الاستقرار، طلعنا خلينا بيتنا، حاجاتنا وذكرياتنا، جيراننا وأصحابنا، تعبت كتير عشان أقدر أحافظ على حياة أسرتي، مسؤوليتي كبيرة شديد… أنا مسئولة من أمي وهي مريضة ومعاي أولاد أخوي صغار، امهم انفصلت من أخوي و إتزوجت، وجابوا الأولاد عندنا و أخوي سافر برا قبل الحرب بشهرين عشان يبحث عن عمل.” وهنا توقفت وبكت كثيراً ثم واصلت قائلة “لكن نقول شنو الحمدلله على كل حال وبكرة الحال ينصلح بإذن الله”.
قصة غ .أ تعكس قوة الإرادة والصمود في مواجهة التحديات، وهي مثال للعديد من النساء السودانيات اللواتي يواجهن ظروفاً مشابهة بسبب الصراعات المستمرة في البلاد. سألتها عن مدى شعورها بالأمان في هذا المكان فواصلت غ.أ قائلة : “هنا المكان أمان لكن أحياناً بنسمع أصوات الدانات من بعيد، وأمي والأطفال لما يسمعوا أصوات الدانات بجيهم توتر وقلق وعدم نوم طول الليل”. وهو ما يقودنا إلى التحدث عن أهمية الدعم النفسي و الاجتماعي للتخفيف من آثار الحروب على النساء والأطفال، وذلك من خلال تقديم وتوفير كل الفرص الممكنة للتعافي النفسي لهم.
* وفي مقابلة مع الأستاذة سليمى إسحق الخليفة مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل بوزارة التنمية والرعاية الاجتماعية، سألتها عن الدور الذي تقوم به الوحدة حالياً تجاه الناجيات والنازحات من الحرب. أجابت: ” وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل هي آلية تنسيقية لتنظيم الخدمات ووضع المعايير للناس على أساس ضمان الرفاه النفسي، وفي بدايات النزوح، كان التركيز على توفير الاحتياجات الخاصة للنساء مثل الفوط الصحية وأدوات النظافة الشخصية وقد تم توزيع ذلك تحت مسمى “حقائب الكرامة”، وقد اهتمت الوحدة سواء على المستوى الولائي والاتحادي على أن يتم تلبية الاحتياجات الصحية للنساء لأنه في الغالب عند تقديم الخدمات يفكر الناس دائماً في الأكل والشراب وينسون هذا الجانب المهم والذي يؤدي تجاهله لتأخير التعافي النفسي للنساء لذا لابد من مراعاة خصوصية النساء في أي من برامج التدخلات في مناطق النزوح.”
تواصل سليمى إسحق حديثها عن الدعم النفسي المقدم للناجيات من العنف الجنسي، قائلة: “أما على مستوى الدعم النفسي للنساء من خلال وحدة مكافحة العنف ضد المرأة فهناك عمل مباشر على المستوى الولائي مع النساء الناجيات في تقديم الخدمات الاستشارية وذلك نسبة لوجود أخصائيات علاج نفسي وأخصائيات علاج اجتماعي في الوحدة الولائية بصورة دائمة إضافة لوجود شخص مختص في الجانب القانوني.” وأضافت: “ومن خلال التعاون مع وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية وبقية الجهات التي تقدم هذه الخدمات فإننا دائماً ما نتحدث عن الدعم النفسي للنساء الناجيات من مختلف أنواع العنف وخاصة العنف الجنسي وضرورة إيجاد الحلول الممكنة.”
من أقسى التجارب على الإنسان مفارقة بيته والمكان الذي كان يؤويه مع أسرته وذكريات الأصدقاء والوجوه التي ألفها والأماكن التي كان يرتادها، ومع ظروف الحرب والنزوح تنقلب كل تلك المعايير رأساً على عقب ليعيش الإنسان في بيئة غريبة عنه، ويجد نفسه في مكان آخر مجبر أن يبقى فيه لأجل غير معلوم، وهنالك قد تحدث العديد من الصدمات وخاصة إذا ما فقد أحدهم بعض أفراد أسرته، وهنا يأتي دور المنظمات الطوعية للتخفيف عن الناس وتقديم المساعدات الممكنة. منظمة زهرات المستقبل للسلام والتنمية واحدة من تلك المنظمات التي تعمل في مجال تأهيل الفتيات، و قد برز دورها الفاعل في فترة الحرب من خلال إستيعاب الفتيات النازحات وتقديم الدعم والتدريب لهن في ولاية كسلا. وقد إلتقيت بالأستاذة جليلة خميس رئيسة المنظمة وسألتها عن نوع الدعم المقدم للفتيات من أجل تخفيف الضغط النفسي للحرب عليهن، فأجابت: ” تم إنشاء المنظمة في عام 2020 وعملت بصورة فعلية في مجال تنمية قدرات الفتيات الأقل نمواً وهي الفئة العمرية ما بين 12 الى 20 عاماً، وفي فترة الحرب الدائرة حتى اليوم عملت المنظمة على استيعاب الفتيات النازحات والمتأثرات بالحرب في مناطق آمنة بعد وصولهم إلينا، حيث يتم توفير دورات تدريبية لهم وإقامة ورش توعوية بالمشاركة مع شبكة صيحة. ” وعن طبيعة الدورات والمناشط المقدمة لهم واصلت جليلة خميس حديثها قائلة: ” تم استيعاب الفتيات من مركزي إبراهيم محمود ومركز مدرسة الشرقي بنات للإيواء في كسلا حيث وفرنا لهم مساحة آمنة وهي عبارة عن عريشة يتم داخلها تقديم الدعم النفسي للمتضررات وكذلك التدريب على مكافحة العنف الجنسي أو الجسدي أو اللفظي، كما تم إنشاء برنامج للكرة الطائرة وجلسات قراءة ومناقشة الكتب إضافة إلى رحلتين ترفيهيتين، تم تنفيذهما داخل مدينة كسلا، و يأتي ذلك في إطار إخراج هؤلاء الفتيات من حالة الظروف الصعبة التي مروا بها خلال الحرب والنزوح ومستمرين معهم في تقديم كل الدعم النفسي حتى يتم تعافيهن.”.
لا يمكننا أن نتجاهل الأثر العميق الذي تتركه الحروب على النساء من عدم الاستقرار وصدمات العنف وفقدان الأحباء، فهي أعباء وتحديات ثقيلة تشكل عبئاً على حياتهن لعقود طويلة. ونموذج غ .أ هو نموذج متكرر لكل النساء بعدما أجبرتهن الحرب على النزوح بحثاً عن مكان آمن، وقد تكون رحلة النزوح هذه في كثير من الأحيان محفوفة بالمخاطر والكثير من التحديات، وفي أحيان كثيرة قد يتكرر النزوح مرةً أخرى من مكان لآخر حينما تمتد الحرب إلى تلك الأماكن، عليه يصبح من الضروري تكاتف كل الجهود لدعم المتضررات من الحروب عبر تقديم الدعم والعلاج النفسي، والعمل على تدريبهن على وسائل الإنتاج لإعانتهن على ظروف الحياة وإدراجهن في برامج تأهيلية تُعيد إليهن الأمل في الحياة، مع ضرورة إشراكهن في بناء السلم المجتمعي ، فتعافي النساء يعني تعافي المجتمع بأكمله.
المراجع:
1. الأمم المتحدة: طرفا الصراع في السودان يتحملان مسؤولية العنف، وأطراف خارجية تُمكن استمرار المذابح- ١٢ نوفمبر ٢٠٢٤. https://news.un.org/ar/story/2024/11/1136566
2. لقاء مع غ.أ. , نازحة
3. لقاء مع أ. سليمى إسحق, مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل بوزارة الرعاية والضمان الاجتماعي
4. لقاء مع أ. جليلة خميس, رئيسة منظمة زهرات المستقبل للسلام والتنميةا
مقبولة حامد شوقار
عملت كمعدة ومقدمة برامج بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، بالسودان، عملت في مجال الإعداد الإذاعي ولديها خبرة اكثر من 25 عاماً في إعداد البرامج المختصة بالشباب والنساء والأسرة



