كيف تُفكر خطط الاستجابة الإنسانية في النساء والنوع الاجتماعي؟
قراءة في خطة الاستجابة الإنسانية للسودان للعام 2025
عبد الله قريضة
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، يعيش أغلب السكان في ظل أزمة إنسانية خانقة. الصراع الذي بدأ في الخرطوم وامتد إلى دارفور وكردفان سرعان ما أفرز موجات نزوح قسري، وانهياراً للبنية التحتية، وأزمات في الغذاء والصحة والخدمات الأساسية. وبحسب خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025، هناك 30.4 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة، بينهم 10.5 مليون نازح/ة داخليًا، ثلثهم تقريبًا من النساء والفتيات في سن الإنجاب. يُضاف إلى ذلك أن نحو 251 ألف امرأة حامل نزحن داخلياً ويحتجن إلى رعاية عاجلة، فيما أشارت التوقعات لأن 84 ألف طفل سيولدون خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من العام السابق. هذه الأرقام وحدها تكفي لتبيان حجم الأزمة وتعقيدها.
في هذا السياق، أتت خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية للسودان لعام 2025 كوثيقة أممية محورية، تستهدف 20.9 مليون شخص بميزانية مطلوبة قدرها 4.2 مليار دولار. فيما يبقى السؤال الجوهري: هل نجحت الخطة في تجسيد قيم العدالة الإنسانية عبر إدماج النوع الاجتماعي بجدية، أم تظل مقاربة جندرية رمزية لا تتجاوز الخطاب؟
ينطلق هذا المقال من إطار العدالة الإنسانية. ويستخدم مفهوم «العدالة الإنسانية» بوصفه إطارًا تحليليًا يرى العمل الإنساني كساحة لتوزيع الموارد والسلطة والمسؤولية، ومتجاوزًا للاستجابة التقنية للاحتياجات. وتشمل قيم العدالة الإنسانية، في هذا السياق، المُساءلة أمام المتأثرين/ات بالأزمات لا المانحين فقط، والإنصاف في الوصول إلى الخدمات، وإعادة توزيع السلطة لصالح الفاعلين/ات المحليين، خاصة النساء، إلى جانب تبني منظور تقاطعي يراعي الفوارق داخل الفئات المتأثرة نفسها. يسعى المقال أيضًا إلى ربط هذه المحاور بالوقائع الميدانية والبيانات المُستجدة، ليطرح قراءة نقدية لخطة 2025، مستندًا على مقابلات تم اجراؤها في يناير ٢٠٢٦ مع فاعلات في الاستجابة الإنسانية وقائدات لمنظمات غير حكومية ونسوية.
العدالة الإنسانية كإطار نظري
عندما نتحدث عن المساواة بين الجنسين في هذا الإطار، فإنها لا تقتصر على النساء فقط. هي “طيف واسع من الأنشطة الهادفة إلى ضمان تمتع كل البشر بحرياتهم واختياراتهم دون قيود مفروضة بفعل النوع الاجتماعي“. المساواة في هذا السياق أداة لخلق علاقات أكثر عدلًا وإنصافًا بين النساء، والفتيات، والرجال، والفتيان. غير أن تطبيق هذه المبادئ في العمل الإنساني أكثر تعقيدًا مما هو عليه في التنمية. ففي التنمية تأخذ الأطر النظرية للمساواة بين الجنسين طابعًا أكثر تعقيدًا، فعادة ما تُراقب وتُقيّم جهود المساواة بين الجنسين في السياقات التنموية عبر “مؤشرات قياس بعدية”، أي مؤشرات تُستخدم بعد تنفيذ السياسات أو البرامج لقياس نتائجها الفعلية، مثل معدلات التعليم، الصحة الإنجابية، أو المشاركة السياسية والاقتصادية للنساء، وليس أثناء لحظة الاستجابة نفسها كما هو الحال في العمل الإنساني. ومن أبرز هذه المؤشرات مؤشر عدم المساواة الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والذي يقوم بقياس مظاهر عدم المساواة في التعليم، والصحة الإنجابية، والمشاركة السياسية، والاقتصادية. بعض المؤشرات تركز على القوانين والأعراف السائدة مثل مؤشر المؤسسات الاجتماعية والنوع الاجتماعي الصادر عن منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والذي يقيس أشكال التمييز ضد النساء في القوانين الرسمية والأعراف غير الرسمية. أما في العمل الإنساني، حيث الأوضاع سريعة التقلب، فإن إدماج النوع الاجتماعي يصبح مرتبطًا مباشرةً بإنقاذ الأرواح وحماية الكرامة. يرتبط تحقيق أهداف أي عمل إنساني بالاستجابة للاحتياجات المختلفة للفئات من نساء وفتيات ورجال وفتيان وكبار سن وذوي/ات الإعاقة، حيث يدعم هذا التصنيف القائم على مراعاة النوع الاجتماعي فعالية وإنصاف العمل الإنساني، وذلك بربط حقوق الفئات المختلفة بسلسلة الحقوق المكفولة لهم كونهم بشر وتحقيق الكرامة وتعزيز حمايتهن/م.
خطة الاستجابة 2025: وعود كبرى وأرقام صادمة
الخطة تتبنى خطابًا واضحًا حول النوع الاجتماعي بشكل استراتيجي، ونظريًا، هناك استراتيجيتان أساسيتان، الأولى تتعلق بتعميم منظور النوع الاجتماعي عبر إدماجه في كل مراحل دورة البرامج الإنسانية، والثانية تتعلق بالإجراءات المستهدفة لمساندة الفئات الأكثر هشاشة مثل النساء ذوات الإعاقة أو الأسر التي تعيلها نساء.
لكن في الواقع، تبدو الخطة عالقة بين الاثنين. فهي ترفع شعار “تمكين النساء والفتيات”، لكنها لا تُقدم آليات واضحة للتنفيذ. وبدون استهداف مخصص، يظل الأكثر ضعفًا على الهامش. فهي تضع المساواة وتمكين النساء والفتيات في صميم أهدافها، وتحدد أن 12.1 مليون شخص معرضون لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، معظمهم نساء وفتيات. لكن عندما ننتقل إلى التنفيذ، تظهر الفجوة، فالخطة تستهدف 3.2 مليون فقط من هؤلاء، بتمويل لا يتجاوز 88 مليون دولار، أي أقل من 2% من إجمالي الميزانية. تؤكد مشاركة تنشط في منظمة نسوية في دارفور أن مشاركة النساء في اتخاذ القرار لا تزال محدودة، ما يجعل الموارد تذهب إلى أولويات ليست بالضرورة الأكثر إلحاحًا للنساء والفتيات المتأثرات مباشرة، وتشير هذا الشهادة إلى الأهمية المتزايدة لمشاركة المجموعات العاملة مع النساء في عمليات التخطيط الأولية في مشروعات الحماية.
كما تُشير إفادات الفاعلات من محلية شرق النيل بولاية الخرطوم إلى أن “هنالك صعوبات كثيرة، بعض الموانع ذات بعد هيكلي/بنيوي، ويتم التعامل مع التنظيمات النسوية أو العاملة مع النساء كموزعي تمويل في أفضل الحالات، وفي حالات أخرى كشركاء ثانويين أو أقل. كذلك هناك الرقابة الأمنية على النشاط المالي للمنظمات، وثمة مشاكل مرتبطة بالعملة واستبدالها إلكترونيًا وغيرها”. لا زالت التنظيمات النسوية تواجه صعوبة في الوصول إلى حجم التمويل الفعلي المتناسب مع الاحتياجات الفعلية. كما بقيت خارطة المؤسسات النسوية أو تلك العاملة مع النساء التي تتلقى التمويل كما هي، أو في حالات أخرى تقلصت بسبب التضييق، ما جعل مجموعات الاستجابة النسوية عاجزة عن النفاذ إلى شبكة المانحين الموجودة سلفًا، سواء بفعل القيود التقنية أو القدرة على امتصاص التمويل وإدارته أو بسبب موانع تشغيلية أخرى. تُضيف إحدى الفاعلات في غرف طوارئ ولاية الخرطوم: “هنالك شعور خفي بأن قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي ليست أولوية، وقد تلقت تمويلًا أقل وخُصص لأشكال أولية من الاستجابات، مثل توزيع احتياجات خاصة بالنساء، عوضًا عن تقديم دعم نفسي واجتماعي أوسع وأكبر. نتيجة لذلك، اتجهت التنظيمات النسوية المحلية إلى تبني اتجاهات المانحين في أغلب الأحيان والتطابق معهم في نطاق وأشكال التدخلات للحصول على التمويل، فيما لم تؤدِ المناصرة الجماعية والسياسية لهذه القضايا إلى أي زيادة تُذكر في مستويات التمويل، ولم يتم تصدير النساء كمؤثرات وممثلات في الفعاليات الدولية، مما انعكس على كمية الأموال المتدفقة للاستجابة في السودان”.
هذه المفارقة لا تقف عند قطاع الحماية. في ملف الغذاء، توضح بيانات مجموعة النوع الاجتماعي في العمل الانساني (GiHA)أن 75% من الأسر التي تعيلها نساء تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وأن الجوع الحاد بين هذه الأسر تضاعف تقريبًا خلال عام واحد (من 14% في 2024 إلى 25.9% في 2025). ومع ذلك، لا تشير الخطة إلى استهداف مخصص للأسر التي تعيلها نساء. ويظهر هنا التناقض بين الاعتراف اللفظي بكون الأزمة غير محايدة جنسانيًا، وبين غياب آليات وبرامج تعكس هذا الاعتراف. تجارب المستجيبات من ولاية الخرطوم مثلًا تشير إلى أن الحرب فرضت أعباءً إضافية على النساء العاملات في الحقل الإنساني، ناهيك عن اللاتي يقبعن في مخيمات النزوح ودور الإيواء المؤقتة. الظروف المحيطة بالعاملين/ات في الحقل الإنساني تجعلهم مدركين لحقيقة أن توفير الخدمات الطارئة ليس منفصلًا عن العدالة الاجتماعية.
لكن التجربة في السودان تكشف عن فجوات كبيرة. فمثلًا أظهرت زيارات الرصد التي قام بها صندوق الأمم المتحدة للسكان في الخرطوم أن معظم مرافق الولادة ورعاية حديثي الولادة في حالة شلل أو تعمل بقدرة محدودة، فمستشفى الولادة بأمدرمان (مستشفى الدايات) ومستشفى إبراهيم مالك التعليمي شبه معطلين، فيما تعمل المرافق الصحية في أم درمان بشكل جزئي بموارد شحيحة، أما في دارفور، فقد أبلغ الصندوق عن انقطاعات حادة في خدمات الصحة الإنجابية نتيجة لانعدام الأمن وتضرر البنية التحتية. الأكثر خطورة أن أقل من 10% من المحتاجات/ين لخدمات العنف القائم على النوع الاجتماعي تمكنوا من الوصول إليها. ومن بين 278 نقطة خدمات تم تقييمها، لا تعمل سوى 27% بكامل طاقتها لتقديم الرعاية السريرية لحالات الاغتصاب. كل هذه الفجوات في الخدمات، تعبر عن تهديد مباشر للحياة والكرامة.
لفهم هذه الفجوة، يجب العودة إلى الأساس، فالنوع الاجتماعي لا يتوقف عند “البيانات المصنفة”، بل هو بنية اجتماعية تحدد الأدوار وتوزع السلطة والامتيازات بشكل غير متساوٍ. في السودان، كما في أماكن أخرى، يظل الرجال يتمتعون بسلطة اجتماعية واقتصادية أكبر، فيما تعاني النساء من تهميش متجذر. تؤثر الأزمات الإنسانية في الغالب على الفئات المختلفة بدرجات متفاوتة، حيث تتأثر النساء والفتيات بشكل يختلف عن الرجال والفتيان، حيث تتعرض النساء لصنوف مختلفة من الاعتداءات الجنسية، وتتدنى مستويات الحماية لهن، وتضعف قدراتهن في الوصول لخدمات الصحة والصحة الإنجابية، وترتفع معدلات الوفاة المتعلقة بالولادة. في المقابل، يواجه الرجال مخاطر القتل والتجنيد الإجباري والبطالة. ومع اندلاع الحرب، تضاعفت المخاطر على النساء والفتيات، حيث أصبحن أكثر عرضة للعنف الجنسي والاختطاف، وأكثر احتمالاً أن يُصبحن معيلات وحيدات للأسر بعد فقدان الأزواج أو الأبناء، فالأزمة هنا إنسانية وبنيوية، تكشف عن هشاشة موقع النساء في النظام الاجتماعي والسياسي.
أين تقف الخطة من العدالة الإنسانية؟
تضع الخطة الإنسانية المُساءلة في قلب خطابها، لكنها تبقى في معظم الأحيان أداة محاسبة أمام المانحين أكثر من كونها آلية تمكين للنساء المتأثرات. تقرير مجموعة النوع الاجتماعي في العمل الانساني يُظهر بوضوح أن الناجيات من العنف الجنسي ما زِلن يواجهن غياب مسارات إحالة آمنة، حيث 83% من النازحات اللواتي تمت مقابلتهن في معسكرات النازحين/ات دارفور أكدن أنهن لا يعرفن كيف أو أين يمكن تقديم بلاغ رسمي، بينما أكثر من نصفهن أشرن إلى الخوف من الانتقام كأبرز سبب لعدم الإبلاغ. في ظل هذا الوضع، تظل آليات مثل “الخطوط الساخنة” أو “جلسات الاستشارة المجتمعية” بلا قيمة حقيقية، خصوصًا في مناطق يشلها انقطاع الاتصالات أو الحصار والتهديد العسكري. ما يحدث هو أن أصوات النساء تختفي من معادلة القرار، ويُترك لهيئات التمويل الدولية أن تحدد أين تُصرف الموارد ومن يملك سلطة التوزيع.
البيانات المفصلة تكشف أن الأسر التي تعولها نساء أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي بثلاثة أضعاف من غيرها، حيث أظهر تقرير مجموعة النوع الاجتماعي في العمل الانساني أن 75% من هذه الأسر تعيش حاليًا في مستويات “حرجة أو طارئة” من انعدام الأمن الغذائي، مقابل 45% فقط للأسر التي يعيلها رجال. الأرقام أكثر قسوة في شمال دارفور، حيث وصلت نسبة الجوع الشديد وسط النساء والفتيات إلى 82%، في وقت تحدث فيه النازحون/ات عن اللجوء لأكل علف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة. الخطة الإنسانية تقول إنها تستهدف 20.9 مليون شخص من أصل 30.4 مليون محتاج، لكنها لا تعكس الفجوة النوعية في توزيع الموارد. الواقع أن أقل من ربع المرافق الصحية تعمل، وخدمات الصحة الإنجابية باتت شبه غائبة، ما يعني أن ملايين النساء في سن الإنجاب – تقدرهم الأمم المتحدة بنحو 2.5 مليون نازحة – يواجهن الحرمان من أبسط حقوق البقاء والصحة. ما يُسمى “الإنصاف في الوصول” ينكشف على الأرض كتمييز غير مباشر ضد النساء اللواتي لا يملكن القدرة على الحركة، واللواتي يدفعن ثمن الحصار والغلاء بأجسادهن مباشرة.
تحدثت الخطة عن “التوطين” وتعزيز دور المنظمات المحلية، لكن توزيع التمويل يقول بعكس ذلك. بحسب الأرقام القادمة من مجموعة النوع الاجتماعي في العمل الانساني، أقل من 1% من تمويل الاستجابة الإنسانية في النصف الأول من 2025 وصل مباشرة إلى تنظيمات نسوية محلية، بينما تدير هذه التنظيمات أكثر المبادرات حيوية مثل المطابخ المجتمعية ومراكز الدعم النفسي. المثال الأكثر وضوحًا هو أن تنظيم نسائي كان يُدير 60 مطبخًا في ثماني ولايات، اضطر لإغلاق أكثر من نصفها بسبب نقص التمويل، بينما ذكرت فاعلات من شرق السودان أن نقص التمويل المباشر دفعهن إلى التوافق مع أولويات المانحين، وأن توقف التمويل أدى إلى إغلاق مطابخ ومراكز دعم نفسية في القضارف رغم استمرار الحاجة المُلحة. في الوقت نفسه، تطلب خطة الاستجابة 4.2 مليار دولار، يُدار معظمها عبر وكالات دولية كبرى، فيما كشف المسح الميداني لصندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان أن 91% من التنظيمات النسوية اضطرت لتعليق أنشطة أو تسريح موظفين بسبب نقص التمويل، في وقت لا يتجاوز فيه تمويل خطة الاستجابة 14% من المطلب. هذا الوضع يعكس ليس فقط فجوة في الموارد، بل فجوة في السلطة: النساء المحليات اللواتي يقفن في الخطوط الأمامية لا يُمنحن الحق في اتخاذ القرار وتحديد أولويات التمويل، بينما المؤسسات الدولية تُعيد إنتاج مركزية القوة بأسماء مثل “الشراكة” أو “التوطين” في بلد يواجه خطر مجاعة مؤكدة، وستتحول هذه الفجوة إلى مسألة حياة أو موت.
لا تعكس المشاركة المتدنية للفاعلات في مراكز صنع القرار داخل منظومة العمل الانساني التزام نظام العون الرسمي بالتوطين، والذي يعني فيما يعني ضمان مشاركة الفاعلين الوطنيين في صناعة المعرفة واتخاذ القرار لتوجيه التدخلات. بالفعل واجهت النساء الفاعلات في غرف الطوارئ مثلًا تحديًا مماثلًا، تشير المتداخلات من ولاية الخرطوم أن التمثيل النسوي في غرف الطوارئ القاعدية يمنحهن دورًا لكنه لا يضمن السيطرة على الموارد، وأن السياسات التمويلية غالبًا ما تتجاهل الأولويات الفعلية للنساء والفتيات، وهو ما دفعهن الى تأسيس غرف طوارئ نسوية لاحقًا لتخطي هذه العقبة. يتكرر هذا النمط مع نظام العون الإنساني الأكبر؛ فلم تُشكل المجموعات التي تُعرف نفسها كتنظيمات نسوية أو تلك التي تقودها النساء إلا بحوالي 10% من مجموع التنظيمات التي تمت استشارتها لتصميم خطة الاستجابة الانسانية للعام 2025. ويجب بطبيعة الحال أن يتغير ذلك إذا ما أُريد لسياسات التوطين أن تعالج أي اختلالات اجرائية أو هيكلية في النظام نفسه، وهو أمر تنظر إليه الفاعلات في شرق السودان ودارفور، حيث أكدن على أن إشراك النساء في أتخاذ القرار يجب أن يتجاوز المستوى القاعدي ويحقق التناسب بين أعدادهن كمستجيبات للأزمة ومتأثرات بها، ليشمل التحكم في الموارد، وأن أي تمويل مباشر ومُنصف هو خطوة ضرورية لتعزيز العدالة على الأرض.
نحو عدالة إنسانية حقيقية
المساواة بين الجنسين في العمل الإنساني ليست ترفًا، وإنما شرط لبقاء البشر وكرامتهن/م. فهي تعني المشاركة، الحماية، الإنصاف، وتغييرًا تحويليًا في علاقات القوة. لكن خطة 2025 أقرب إلى الرمز منها إلى الفعل. بالرغم من الأرقام الصادمة -من 12.1 مليون معرضات للعنف الجنسي إلى 75% من الأسر التي تعيلها نساء تعاني من انعدام الأمن الغذائي- لا تزال الفجوة بين الخطاب والواقع مُقلقة. تؤكد مديرة منظمة نسوية تنشط بشرق دارفور أن العادات والتقاليد والسياسات المرتبطة بقضايا العنف الجنسي تضيف عقبات إضافية للوصول إلى الخدمات، وأن فقدان الخبرات المحلية بعد الحرب زاد من عبء المتطوعات، وهي عقبات كان يمكن التغلب عليها بتخصيص مزيد من الموارد لرفع قدراتهن وتمويل برامج الإحالة.
إذا أرادت الأمم المتحدة وشركاؤها الاقتراب من عدالة إنسانية حقيقية في السودان، فإن الخطوة الأولى تبدأ بإنشاء منصات “مُساءلة جندرية” تقودها النساء المتأثرات أنفسهن، بحيث لا تبقى المُساءلة محصورة في التقارير التي تُقدم للمانحين، بل مرتبطة بتجارب النساء اليومية واحتياجاتهن الفعلية.
لقد حاصر شعور العجز أمام بيروقراطية نظام العون الإنساني الكثير من الفاعلات في السودان، ونقلت إحدى الناشطات بمحلية شرق النيل هذا الشعور بقولها: “أحيانا ينتابني شعور مختلط بسبب بطء بيروقراطية نظام التمويل وسلسلة العمليات التي تُعيق وصول المبالغ في الوقت المناسب …”.
يتعين أيضًا ضمان وصول عادل وفعلي لخدمات الصحة الإنجابية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي في جميع المناطق، بما في ذلك المناطق المُحاصرة أو الخارجة عن السيطرة، بحيث تتحول فجوات الوصول إلى تهديد مباشر للحياة والكرامة. كما أن أي حديث عن تمكين أو توطين يظل بلا معنى دون تمويل مباشر وشفاف للمنظمات النسوية السودانية، التي أثبتت قدرتها على الوصول والعمل في أكثر البيئات هشاشة، لكنها ما تزال تُقصى من دوائر القرار والتمويل.
إضافة إلى ذلك، لا بد من اعتماد تحليل تقاطعي يميز بين أوضاع النساء المختلفة، آخذًا في الاعتبار العمر، والإعاقة، والموقع الجغرافي، والوضع الاجتماعي، بدلًا من التعامل مع النساء ككتلة متجانسة. وأخيرًا، فإن إشراك النساء والتنظيمات النسوية يجب أن ينتقل من منطق “المستفيدات” إلى منطق القيادة والشراكة الفعلية في تصميم الاستجابة وتنفيذها، باعتبارهن فاعلات أساسيات في حماية المجتمعات.
العدالة الإنسانية هي ممارسة يومية، والنساء والفتيات في السودان، اللواتي يواجهن المجاعة والعنف والنزوح، يجب أن يكنّ في قلب هذه الممارسة، عوضًا عن ابقائهن في هوامشها.



