عن أحوال نساء الشرق
مروة الأمين
في جغرافيا سودانية قصيّة؛ أنتجت تقاطعات عرفية، وسياسية، وتنموية، وثقافية وضعًا صعبًا تعايشه النساء بأملٍ وعزم، ويبذرن فيه الحياة بصبر. في شرق السودان، الإقليم المُفقر — شأنه في ذلك شأن غالبية أقاليم السودان — يتمثل للرائي مشهدٌ مُعتم للنساء في الأرياف وحتى حواضر المدن. ولتمكينكن/م من فهم ما يحدث هناك، لا بد أن نمر بلمحة عامة على الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في الإقليم.
يتمايز النشاط الاقتصادي للأفراد في شرق السودان بين الرعي، والزراعة والتجارة، في مساحات عمل تفتقر لمشاركة النساء إلا نادرًا، وفي أدوار محدودة، حتى وإن كنّ المالكات الحقيقيات لرؤوس الأموال. كما يعاني الإقليم، بولاياته الثلاث، ضعفًا في التنمية من كافة النواحي، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية، وهو ما نتج عن الغياب التام لدور الدولة الرعائي. وأقصد بـ«دور الدولة الرعائي» أن الدولة لا تكتفي بدور الحارس الذي يوفر الأمن ويفرض القوانين، بل يتجاوز ذلك إلى توفير الخدمات الأساسية، والضمان الاجتماعي، والعدالة، والحق في العمل، وغيرها.
وإذا عدنا في هذا السياق لمحاولة فهم النمط الذي عايشه الإقليم في السنوات الماضية، سنجد أن تعليم النساء، وصحتهن الإنجابية، وتوفير فرص العمل، والإدماج في المجال العام، لم تكن حتى خاطرة تجول في بال المسؤولات — على قلتهن — ولا المسؤولين على كافة المستويات.
تتسم القبائل والمكونات الأصيلة في الإقليم بحصر النساء في أدوار الرعاية والأعمال المنزلية وبعض المساحات المحدودة، وتحرم النساء من التعليم لأسباب عُرفية واقتصادية. كما يتعرضن لبتر وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية كعادة سائدة لا تنجو منها الفتيات إلا نادرًا، إضافة إلى تزويج القاصرات، والتزويج القسري، والحرمان من الميراث على أساس النوع الاجتماعي في بعض المناطق. كما لا تقود النساء مجتمعاتهن في شرق السودان، ولا يملكن سلطة عُرفية كسلطة الحكامة في الإقليم الغربي للسودان على سبيل المثال، ما يعزز ضعف وهشاشة الوضع الاجتماعي للمرأة واختلال ميزان القوى، تاركًا النساء في أبعد بؤرة عن دوائر التأثير وحتى المشاركة.
وكحال أغلب الأقاليم، تمتلك الإدارة الأهلية السلطة الكبرى في تسيير أمور سكان المنطقة والتأثير على خياراتهن/م السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد أبقت الحكومات المتعاقبة على الإقليم سلطة الإدارة الأهلية ونفوذها، بل وعملت على تعزيز تلك السلطة لضمان بقائها على مقاعد الحكم عبر ذريعة التأييد الشعبي. وبدورها تعتمد الإدارات الأهلية في قيادتها وممارستها للسلطة في المستويات المحلية على الأعراف الاجتماعية والثقافات الدينية السائدة، فتعززها وتعمل على نهجها، وهو ذات النهج التمييزي الأبوي المُحجِّم لأدوار النساء عبر سلسلة من الممارسات والأعراف السالبة والتمييزية.
الحرب كعبء إضافي
ربما لم تصل الحرب برصاصها وجنودها إلى شرق السودان، لكنها وصلت إليه عبر الاقتصاد كعامل أول، كما أظهرت ضعف وهشاشة إدارة السلطات للمنطقة. وتأثرت النساء بها بشكل كبير ومن عدة نواحٍ، حيث صِرن بين ليلة وضحاها المعيلات الوحيدات لأسرهن، بعد فقدان أزواجهن في الحرب أو في الاستنفار. كما أصبحن مستضيفات للعديد من الأقارب الفارين من مناطق الحرب، ومسؤولات عن إعالتهم وإيوائهم، فضلًا عن فقدانهن مصادر دخلهن وأعمالهن نتيجة لتأثر المؤسسات الحكومية وغير الحكومية جراء اندلاع الحرب.
استهداف المبادرات النسوية
«تعرضت أنشطة مبادرتنا، وكذلك المتطوعين، للتوقيف من قبل السلطات عدة مرات. والحادثة التي مررت بها بشكل شخصي بدأت عندما وصل إخطار لوالدتي بأنه تم استدعائي إلى مقر الهلال الأحمر باعتباره المسؤول عن الإيواء. فذهبت، ووجدت شخصين في انتظاري. أقفل أحدهما الباب فجأة وبدأ في استجوابي عن طبيعة عملي. علمت وقتها أن لا علاقة بالسكن والإيواء باستدعائي، وأنهم أفراد تابعون للأمن». هكذا بدأت الناشطة المجتمعية والمتطوعة من ولاية كسلا، مريم — اسم مستعار — بسرد ما تعرضت له من قبل السلطات في الولاية.
وتتابع مريم أن الأسئلة تحولت سريعًا إلى تحقيق مباشر اتسم بالترهيب والتخويف، وتركز على المبادرة التي تعمل معها، مع توجيه اتهامات بحمل أجندات سياسية. وأضافت: «قالوا لي إنهم يعرفون كل خطواتنا وما نقوم به». ثم صادر أحدهم هاتفها وطلب فتحه، ورغم رفضها في البداية، هددها بحقه في إجبارها على ذلك. بعد فتح الهاتف، بدأ بتفتيش الرسائل ومجموعات المبادرة، وتأويل المحتوى واتهامهم بسوء القصد، محذرًا من أن ذلك سيقودهم «في ستين داهية».
وتصف مريم ما جرى بأنه ضغط نفسي شديد جعلها عاجزة عن الرد، إذ كانت أي محاولة للتوضيح تُحوَّر لتصويرهم كمجرمين يعملون ضد الدولة بأجندات خارجية. وتضيف أن عنصري الأمن واصلا التحقيق مستخدمين، بحسب وصفها، أساليب حرب نفسية، قبل أن يقول لها أحدهما إنه سيعيد هاتفها ويأخذ رقمها، مطالبًا إياها بالحضور لاحقًا إلى مقر الجهاز، مدعيًا أنه تساهل معها رغم ما وصفه بـ«الأدلة الدامغة» على العمالة الموجودة في هاتفها.
اتجهت مريم إلى مكتب المبادرة، وحكت لزملائها، الذين طلبوا منها أن تبقى في المكتب وألا ترد على مكالماته مجددًا، فيما تواصلوا مع محامين بغرض حمايتها.
وتتعرض مبادرة مريم، التي تنشط في تقديم الدعم للنساء، والعديد من المبادرات الشبابية الأخرى، للتوقيف، ويُعتقل بعض الأفراد الناشطين في تقديم هذه الخدمات من قبل السلطات، ويتم استجوابهم واتهامهم بالانتماء إلى الدعم السريع ومجموعات سياسية معارضة للحكومة الحالية، كما يتم تعقبهم وتوقيف أنشطتهم بشكل مستمر.
وتقول مريم إن التحديات التي تواجههن في تقديم الخدمات للنساء كثيرة، من بينها خوف المجتمع من الوصمة، فحين يُقدَّم الدعم الصحي والنفسي تمتنع الناجيات من العنف الجنسي عن إكماله أو اتخاذ خطوات أبعد من العلاج. كما تسببت الحرب في تقليل الموارد الصحية وندرتها، وأثرت على القطاع الصحي ككل من حيث هجرة الأطباء، وتأهيل المرافق الصحية، وغلاء العلاج في مواجهة تردي الوضع الاقتصادي الذي يلعب الدور الأهم في وصول النساء إلى الخدمات الصحية، فضلًا عن انتشار الأوبئة الموسمية في المنطقة.
وتقدم المبادرة التي تترأسها مريم خدماتها للنساء النازحات على وجه الخصوص، وللنساء من المجتمع المضيف. وترى مريم أن الخطر الذي يواجه مبادرتهن والمبادرات الشبابية لا يزال حاضرًا بقوة، وأن استمرار سريان قوانين الطوارئ، التي تنتهك الحقوق والقانون ويتم تجديدها يوميًا، يتسبب في اعتقال المتطوعات/ين وتوجيه تهم جزافية لهم، فضلًا عن تصنيفهم على خلفية انخراطهم في ثورة ديسمبر. مؤكدة أن الفترات التي تقل فيها موجات النزوح هي الأكثر صعوبة، حيث يتعرض المتطوعون للتضييق والاعتقال.
كل هذه العوامل أثرت على مساحة نشاط مبادرتهن النسوية داخل الولاية وفي المحليات خارجها، حيث يضطررن لعقد جلسات التوعية والدعم النفسي دون الإعلان عنها، واستهداف أعداد قليلة كي لا يلفتن النظر. وتقول: «التضييق على مبادرتنا والمبادرات بالولاية في إمكانية التجمع لتنسيق العمل أثر على حجم تقديم الخدمة للنساء والمجتمعات المتضررة».
ضغط اقتصادي
وضعت النساء في العديد من المناطق الآمنة في موقع القيادة بغتة، واضطررن لحمل مسؤوليات وأعباء إضافية ثقيلة، في ظل تردٍ كبير للأوضاع الاقتصادية وشح فرص العمل، فضلًا عن النازحات اللواتي فقدن أعمالهن ومنازلهن وحياتهن، وحملن ذات المسؤوليات، وعملن في القطاع غير المنظم، وفتحن مشاريع صغيرة لتوفير الطعام والعلاج لأسرهن.
تقول المعلمة من مدينة كسلا، نداء رحمة الله، إن الحرب أثرت عليها بشكل مباشر رغم أنها تعيش في منطقة آمنة لم تصلها الحرب. إذ انقطع مرتبها منذ أبريل 2023، كما لم تستلم المنحة التي كان من المفترض صرفها في شهري رمضان وشوال، ولم تُصرف لها مرتبات ما تبقى من عام 2023. وبدأ صرف نسب تتراوح بين 20% و60% من الرواتب في شهور متقطعة ومتباعدة من عام 2024، ما وضعها ومعلمات أخريات على خط الفقر، مع الأخذ في الاعتبار أن الرواتب الكاملة لم تكن مجزية أصلًا، إذ كانت تتقاضى نحو 160 ألف جنيه شهريًا، أي ما يعادل حوالي 48 دولارًا، رغم حصولها على درجة الماجستير.
كما أثر توقف التأمين الصحي على نداء بشكل كبير، فهي تعيل أسرتها المكونة من والدها ووالدتها وبناتها الثلاث، وتتكفل بتوفير أدوية الضغط والسكري لوالدتها، وعدة أنواع من الأدوية لوالدها الذي يعاني من ارتخاء عضلة القلب. فقد ارتفع سعر الأنسولين، الذي كان يكلفها 1000 جنيه سوداني عبر التأمين الصحي، إلى نحو 11 ألف جنيه، فيما تجاوزت تكلفة أدوية ارتخاء عضلة القلب، التي كانت تبلغ حوالي 40 ألف جنيه، حاجز 150 ألف جنيه.
ومع الضغط العالي لتوفير العلاج، اضطرت نداء للعمل في إنتاج المخبوزات والحلويات الشعبية والتسالي والفول. وبالرغم من استمرار صرف معاش والدها، البالغ 45 ألف جنيه، بشكل منتظم، فإنه لا يغطي شيئًا يُذكر في ظل هذه الاحتياجات. وتقول نداء إنها حاولت التقديم على عدة وظائف للحصول على دخل مجزٍ ومنتظم، لكنها لم تُقبل في أي منها حتى الآن.
وكان اقتصاد الدولة قد تحول إلى «اقتصاد حرب» إلى حد كبير، مركزًا على تمويل العمليات العسكرية للجيش والقوات المتحالفة معه، ومتجاهلًا الاحتياجات الاقتصادية التي تواجه المواطنات والمواطنين في ظل تجزئة أو تأخير، بل وتوقف المرتبات، والتأمين الصحي، وغيره من الخدمات التي كانت — على قلتها — تغطي بعض احتياجاتهم/ن الأساسية، متجاهلًا بذلك دوره تجاه المواطنات/ين.
مشاركة سياسية «صُورية»
تتسم المشاركة السياسية للمرأة في شرق السودان بالقلة والندرة، رغم وجود أحزاب سياسية فاعلة، كما أن تولي النساء للمناصب القيادية في تاريخ المنطقة يكاد لا يُذكر. وفي الآونة الأخيرة، ومع سباق التسليح المحموم، أشارت بعض الفصائل المسلحة إلى وجود نساء في قوام قواتها، وأنهن يتلقين تدريبات نوعية، لكن بطبيعة الحال، لا وجود لهن على قمة هذه المنظومات، كما هو الحال في الأحزاب السياسية بالمنطقة.
في ذات السياق، تصف الباحثة ومديرة مركز أبحاث المرأة بجامعة البحر الأحمر، د. مريم أونور، مشاركة النساء السياسية بأنها صورية ولا تعكس قضايا النساء إلا نادرًا، إذ يغلب عليها الانقياد الحزبي أو الجهوي والطائفي. كما أن حصول النساء على عضوية البرلمان عبر الدوائر الجغرافية يكاد يكون معدومًا حتى على مستوى الخرطوم، وترى أن عدم تصويت النساء للنساء، وتقديم أصواتهن للرجال، محور أساسي يحتاج إلى عمل عميق.
وتواصل د. مريم أنهن أجرين دراسة حول مشاركة النساء السياسية في ولاية البحر الأحمر، ووجدن أن الإسهام في النقاش ضعيف ويرتبط بمعيار القبيلة والطائفة. إلا أنهن عقدن منتدى قبل عامين نوقشت فيه ورقة حول دور المرأة في الإدارة الأهلية، وطرحن الموضوع بوضوح وبدون خوف. كما تشير إلى الدور الخفي للنساء في فض النزاعات التي اندلعت سابقًا في الإقليم، حيث لعبن دورًا محوريًا في احتوائها.
ومن جانبها توضح الناشطة السياسية والنسوية من شرق السودان، أمل — اسم مستعار — أن المشاركة السياسية لنساء الإقليم كانت ضعيفة قبل الحرب، لكنها الآن تكاد لا تُذكر. ومن وجهة نظر أمل، تقتصر مشاركة النساء على إسناد ودعم المؤسسات الحربية عبر إشاعة الدعاية الحربية، والمشاركة في التشجيع على القتال، والوجود الصوري في الحكومة الحالية، لتبدو كحكومة متنوعة، وتعزز صورة أن الجيش وحلفائه مسنودين من تيارات عدة، من ضمنها النساء.
وتقول أمل: «النساء لا يظهرن الآن إلا في إسناد ودعم المؤسسات العسكرية، وهذه لا تُعد مشاركة سياسية، بل استكمالًا لصورة تريد السلطة إظهارها، لكنهن لا يتقلدن أي مناصب فيها، ولا يقتربن حتى من مواقع اتخاذ القرار».
وتعزو أمل ذلك إلى ضعف المؤسسات وعجزها عن أداء أدوارها، ويتم إقحام النساء في الاستنفار بذريعة حماية أسرهن من القتل، وحماية أنفسهن من الاغتصاب، في صراع لم يؤججنه، لكنهن يدفعن ثمنه غاليًا.
كما تشير إلى استغلال حاجات بعض النساء الاقتصادية الناتجة عن الحرب والنزوح عبر الرواتب الشهرية التي تُصرف للمستنفرات.
وترى أمل أن أسباب إضعاف المشاركة السياسية لنساء شرق السودان تعود إلى عوامل اقتصادية، إضافة إلى وضع الحرب الذي دفع النساء إلى التركيز على تأمين حياتهن الشخصية أكثر من المشاركة العامة في الأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدني، فضلًا عن ثقافة المجتمع الشرقي الرافضة لمشاركة النساء السياسية، حيث تترسخ فكرة أن السياسة شأن رجالي لا يخص النساء، إلى جانب هشاشة دور الأحزاب السياسية في تعزيز مشاركة النساء، واقتصار إشراكهن على الشكل الصوري.
وتقيّم أمل مشاركة النساء في عمليات التفاوض بعد الحرب بنسبة صفر، إذ ترى أن النساء بعيدات عن جميع طاولات التفاوض والعمليات السياسية الحالية، كما تعتبر أن تمثيل النساء في القيادة والحكومة الحالية «اختياري وبسيط وصوري».



