مشاهد من واقع الحرب والنزوح

مشاهد من  واقع الحرب والنزوح: الخرطوم – حلفا

  أبريل – أغسطس ٢٠٢٣

سامية عادل

ثمَّة في العمر بقية ولا خيار سوى النجاة. هذا ما تيقنت منه لدى خروجي من الخرطوم، بعد مضيِّ أربعة أشهر على الحرب. كنتُ كغيري من سكان الخرطوم، ممن أُرغموا على ترك كُلِّ شيء والهرب نحو المجهول، طامحةً في حياة أكثر أمناً وسلاماً؛ إلا أن الرحلة كانت أكثر تحدّياً مما توقَّعت. وهنا عزيزتي القارئة / عزيزي القارئ، أُشارككم بعضاً من مشاهد تجربتي الشخصية خلال حرب أبريل 2023.

مشهد أول: الخرطوم، أم درمان، أبريل – يوليو 2023 

في أول أيام عيد الفطر المبارك، أسعفتُ أحد أطفال الحي حيث أسكن. أمتلكُ صندوقَ إسعافاتٍ أوَّلية لا يُفارقني منذُ سنوات دراستي الأولى بكلية الطب. لم أتوقع أن تكون تلك الأدوات البسيطة مُعينةً لي في إنقاذ حياة أربعة عشر شخصاً يقطنون بالقُرب منّا، تعرّضوا لإصابات مُختلفة، منها إصابات رايش نتيجة لقصف الطيران الحربي (1) أو رصاصات طائشة. إصابات، في العادة، تستدعي غرفة طوارئ، وفريقاً طبياً مُتكاملاً، ومجموعةً من الأدوية والمحاليل وغيرها.

جرى تدخلي هذا بسرية وحرص شديدين، حيث كان جميع من يتطوع لخدمة المواطنين وتحديداً الخدمات الصحية عرضة لخطر الاعتقال أو التعذيب من قِبل قوات الدعم السريع. تفاقم الأمر بعد تعرّض متطوعي غرفة الطوارئ الصحية الوحيدة في المنطقة لاقتحام الغرفة، وإصابة البعض ووفاة اثنين أثناء تأديتهما لواجبهم الإنساني (2)

لدى خروجي من الخرطوم لم يكن في حقيبة الإسعافات الأولية تلك سوى جهاز لقياس الضغط وسماعة طبية، عندها فقط أدركتُ حجمَ الكارثة، مدينة كاملة تشهد كارثة صحية كبيرة، من انعدام كلِّي للمرافق الصحية، وغيابٍ تامٍّ لجميع الخدمات الإنسانية الأخرى من طعام ومياه وكهرباء، ولا إحصائيات تُذكر عن عدد الضحايا والمصابين من المدنيين.

خرجتُ في الرابع عشر من يوليو 2023، مُودّعةً مدينتي، ومتجهة إلى الحدود شمالاً، هرباً من الحرب وأملاً في حياة جديدة، تاركةً خلفي أسرتي ومنزلي وأحبتي وكل شيء.

مشهد ثانٍ: حلفا، الولاية الشمالية

استقبلتني حلفا بعد سفر استمر لمدة أسبوع (تستغرق الرحلة، في العادة، بضع ساعات، ولكن الأوضاع الأمنية في البلاد جعلت كل شيء أكثر كلفةً وإرهاقاً). استقبلتنا مدينة حلفا بطقسها المشمس الذي لا يُحتمَل، وبامتعاض أكبر مما تحمله ملامح النازحين الذين يمكن التمييز بينهم وبين سكان المدينة من ملامح الحزن والتيه والضياع التي لا يمكن إخفاؤها. في ليلتي الأولى، قرَّرْتُ استئجار غرفة في الفندق الصغير الوحيد في السوق. فوجئت بتكلفة الإيجار غير المنطقية، إلا أنني أقنعت نفسي “كلها يوم واحد، وبكرة الصباح استلم الموافقة الأمنية واتحرك على المعبر”، بهذه البساطة وضعتُ رأسي على المخدة ونمت. بعد ساعة بالضبط أيقظني صوت عدة مكالمات من أصدقائي في حلفا، حيث أخبروني أنه تم إيقاف السفر بواسطة الموافقة الأمنية. خبرٌ لا يَعرف وقعه إلا من ذاق مرارة الانتظار.

“إلى أجل غير مسمى”

هكذا أجابتني صديقتي التي انتظرت في حلفا لمدة ثلاثة أشهر. حملت حقيبتي في اليوم التالي واتجهت نحو ميدان النازحين (ميدان يقع بالقرب من السوق)، اتخذ منه سكان الخرطوم مكاناً للنزوح، بين مطرقة الحرب وسندان انتظار التأشيرة. مكثتُ يومين في الشارع مع مجموعة من الأسر، نلصق أسرَّتنا ليلاً وننام بالتناوب، إذ لا بد من وجود شخص لحراسة الأمتعة والحقائب المبعثرة على الأرض بجانبنا. نبدأ عند الصباح بالتنقل من ظل إلى آخر حتى تغيب الشمس. وجدتُّ بعد يومين، عبر إحدى الصديقات، مكاناً للإيواء، حوش (3) مساحته حوالي أربعمائة متر مربع، به أكثر من أربعين سيدة من مختلف الفئات العمرية، ومجموعة من الأطفال، وحافظة لمياه الشرب، وحبل لنشر الغسيل، وعريشة من الزنك (4) عرضها ثلاثة أمتار تمتد على طول أحد الأسوار، وحمام صغير نتشاركه عند الضرورة القصوى. رغم بساطة المكان، إلا أنه يُعَدُّ رفاهية إذا ما قورن بمراكز الإيواء الأخرى والميدان الذي كنتُ فيه.

أقوم بجولة عند الصباح في المدرسة والمسجد، وغيرها من أماكن وجود النازحات، وأسأل أسئلة عشوائية عن احتياجاتهن، وأستمع إلى قصصهن كهواية ولَّدَتْها الحرب، ومحاولة لتوثيق ما لا يمكن نسيانه. انحصرت الاحتياجات في القليل من الأشياء الأولية، كتوفير الفوط الصحية، وسرير، ومروحة، وأدوية للصداع و الحمى، ووجبة ولو مرة في الأسبوع غير الرز والمكرونة (وهما الوجبتان الوحيدتان، وتتناوب النازحات على إعدادهما، لتناولهما كل يوم، حيث لا رفاهية للاختيار، فكل شيء باهظ الثمن ولا يكفي لأسرة مكونة من خمسة أفراد على سبيل المثال).

مشهد ثالث: فعل ثقافي يعيد توحيد وجدان المواطنين ويُقلِّلُ من حدة الموقف

في الحوش وبملاحظة بسيطة يمكنكِ الانتباه إلى أن  النساء ينقسمن إلى ثلاث فرق، فريق يؤيد أحد طرفي النزاع، والآخر يريد انتهاء الحرب فقط، وفريق يلتزم الصمت التام، تساءلت طيلة أيام وجودي في الحوش عن الصدمات والآلام التي اختبرنها وجعلتهن يلتزمن الصمت هكذا، وإلى متى سيصمتن!

فجر كل يوم يبدأ النقاش حول الحرب، ويبدأ تشجيع كل فريق لأحد طرفي النزاع، والموقف العملياتي على الأرض، وتتصاعد حدة النقاش حتى يتحول إلى شجار كبير تشترك فيه الأيدي والأرجل وكل ما يمكن أن يُرمى به في وجه الآخر. تتدخل أخريات لتهدئة الأمر، وسرعان ما ينتهين إلى حالة من الصمت والبكاء والحسرة، وأحياناً الاعتذار والانصراف إلى مواضيع أهم كمعرفة أخبار التأشيرة، والحياة المتوقعة في مصر وهكذا.

أيقنتُ، بعد عدة أيام، أن فترة النزوح هذه ستستمر طويلاً، ففكّرت في تنفيذ فعل ثقافي يعيد ترتيب الوجدان داخل الحوش، ويسهم في جعل وجودنا معاً في هذا الوضع المأساوي أكثر لطفاً وتقبّلاً، محاولة لخلق بيئة آمنة وسط هذا الخراب. سرعان ما بدأت بالبحث عن كل من يمكنه المساعدة. التقيتُ، صدفة، بعازفة جيتار تتجول في سوق حلفا، أذكر تماماً لحظة رؤيتي لحقيبة الآلة موسيقية، وإسراعي في تعقّب من يحملها. لحقت بها وعاجلتها: “أنا كنت بفتش عنك”، رأيت الدهشة على وجه الشابة، استدركتُ وأخبرتُها أنني لا أعرفها، ولكني أبحث عن شخص يُمكنه المشاركة في مشروع ما أقوم بالإعداد له، رحبت بالفكرة وتبادلنا أرقام الهواتف، اتفقنا أن نلتقي عند فرع بنك الخرطوم مساءً، إذ أن المدينة بها مشكلة في شبكات الاتصال في ذلك الوقت. التقينا، وأخبرتها بخطتي البسيطة: “يلا نغني مع بعض”. وهكذا بجيتار وعلبة بوماستك فاضية أو جردل (5)  يقومان مقام الطبلة، شيئاً فشيئاً أصبحت لدينا فرقة موسيقية صغيرة من الهواة، تقوم بتنفيذ فعالية كل يوم في مراكز النزوح، نغني للوطن والسلام، ونذكر أنفسنا والآخرين أننا جميعاً ضحايا للحرب، وأنه يوجد غيرنا الآلاف بل مئات الآلاف ممن يعاني من ويلاتها، وإن كان بيدنا قرار فهو رفض الحرب وإيقافها فوراً، والدعوة إلى السلام.

المشهد الأخير: استكمال الرحلة

 اتجهت بعد ثلاثة أسابيع من النزوح، شمالاً، مودعة ثاني أقسى مشهد من مشاهد الإنسانية – بعد الحرب – تاركة خلفي أصدقاء النزوح، وحلماً عريضاً بوطن سالم معافى.

الهوامش

1: “الرايش” قطع معدية حادة صغيرة الحجم تتناثر في المحيط الذي تقع فيه قذيفة جوية سواء كانت من طائرة حربية (ميج) أو الطائرات المسيرة، وتحدث إصابة بالغة يتراوح حجمها من 5 الى 10 سنتمترات، وتؤدي إلى الوفاة مباشرة إذا كانت الإصابة في مناطق أكثر حساسية كالرأس، البطن أو منطقة الصدر.

2: المصدر أحد الكوادر الطبية من غرف طوارئ أم درمان، رابط الصفحة على فيسبوك.

https://www.facebook.com/profile.php?id=100093321340537&mibextid=LQQJ4d

3: “الحوش” مفردة سودانية تطلق على المساحة المفتوحة داخل البيوت. والحوش هنا والذي سمي بحوش النازحين هو مساحة كبيرة مسورة تتبع لأحد المساجد في مدينة حلفا.

4: “الزنك” قطع مستطيلة من المعدن الخفيف، بعرض متر وطول أربع امتار أو ربما يزيد. يستخدم لسقف الأماكن المفتوحة في معظم مناطق  السودان. من عيوبه أنه لا يمتص الحرارة حسب تجربتي الشخصية أنه غير جيد للأماكن ذات الحرارة المرتفعة كمنطقة حلفا، التي ترتفع فيها درجة الحرارة صيفاً إلى ما يفوق الـ 43 درجة.

5: “جردل” سطل من البلاستيك يستخدم لحفظ الدهانات، ويصدر صوت أشبه بصوت الدف أو الطبل عند الطرق عليه.

المقالات +

كاتبة