الأبيض تحت الحصار

الأبيض تحت الحصار

زاريا الطاهر

تقع مدينة الأبيض في الوسط الغربي من السودان. تحدها من ناحية الشمال الشرقي مدينة أم درمان، ومن الغرب مدينة النهود، والدلنج من ناحية الجنوب، وأيضًا، مدينة الدبيبات التي صارت معقلاً لقوات الدعم السريع بعد حرب الخامس عشر من أبريل. هذا الموقع المتميز لمدينة الأبيض الذي يربط بين ولايات غرب كردفان وولايات دارفور الكبرى جعلها مطمعاً لقوات الدعم السريع التي ضربت حولها حصاراً في محاولة لدخولها، ورغم أن الكثير من المحاولات باءت بالفشل، لكن أنتج الحصار أزمة اقتصادية، أدت إلى غلاء الأسعار، وندرة السلع، فالشاحنات من أجل النجاة، تسلك طرقاً ترابية وعرة، متفادية الطرق الرئيسية المعروفة، حيث يضطر السائقون لدفع جبايات ضخمة، الأمر الذي عَرَّض الابيض، أكبر مدينة كانت لسوق للمحصولات، لخطر المجاعة. 

الجوع يحاصر مدينة المحاصيل

قبل الحرب، وفي مثل هذا الوقت من العام، كانت تتوفر مجموعات متنوعة من السلع المحلية كالتبلدي، والعرديب، والقضيم، بالإضافة للمنتجات الزراعية من سمسم، وفول سوداني، وجميع أنواع الذرة وحب البطيخ. كما كانت تنشط بعض التجارات الرائجة كتجارة الجراد، الذي يعد وجبة شهية لبعض الأسر. وهناك بالمدينة أسواق طرفية كبيرة كسوق أبشرا جنوباً، وسوق أم دفسو شرقاً، وسوق الشجرة شمالاً، وسوق ود عكيفة غرباً. وقد تمتعت هذه الأسواق في السابق بحراك تجاري نشط. كما كانت المدينة تستورد حاجتها من اللحوم الحمراء من ولايات دارفور، وغرب كردفان وجنوبها. أما الضأن فيتم استيراده من غرب كردفان، تحديداً النهود. ومن أشهر أسواق الماشية زريبة المواشي وزريبة كريمة. بالإضافة إلى ذلك كان بشمال المدينة محجر للتصدير، وسوق رائجة للإبل القادمة من شمال المدينة المزروب. بالإضافة إلى مدابغ الجلود وسوقها الرائجة، حيث كانت تصدر منتجاتها إلى غرب أفريقيا.

بعد كل ذلك الازدهار أصبحت الأبيض اليوم مدينة يتهددها خطر المجاعة، وقد تراجعت واردات الإبل إلى ١٥ _٢٠ رأس، بعد أن كانت ٥٠ إلى ٧٥ رأس. وتراجعت واردات الأبقار إلى ١٥٠ إلى ١٣٠ رأس، بعد أن كانت ٢٠٠ إلى ٣٠٠ رأس. والأغنام ٣٠٠ إلى ٣٥٠ رأس، بعد أن كانت ٨٠٠ إلى ١٠٠٠ رأس. وقد أثر هذا الوضع الكارثي بشكل مباشر على مجالات حيوية كالصحة والتعليم. لتقع هذه التأثيرات، كما الحال دائما، بشكل أكبر على عاتق النساء، ففي أزمان الأزمات والهشاشة هن اللواتي يقمن بأعباء الأسرة ويتحملن أوزار الحرب. فالرجال الذين يعمل معظمهم (صنايعية) – يعتمدون في أعمالهم على الإمداد الكهربائي، كأعمال الحدادة، والنجارة، وتشغيل المصانع، التي توقفت عن العمل بسبب انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة – نزوحوا في مجموعات كبيرة لمدن أوفر حظاً، تاركين أسرهم لمجابهة الواقع الذي تمخض عن الحرب. 

تقول “الأستاذة” نون معلمة كانت تعمل بمنطقة أم دم، وقد هربت بطفليها الصغيرين، لتقوم ببيع الخبز أمام إحدى المدارس: “الأوضاع سيئة. رغم أنني وجدت فرصة عمل في إحدى المدارس الخاصة، إلا أنه ليس لدي ملابس ملائمة، أو نقودًا أستقل بها الحافلة لمكان العمل، ولا ما أشتري به الحفاضات في حالة اصطحاب طفلي الرضيعين معي للعمل”. لذلك فضلت نون بيع الخبز أمام منزلها بجلبابها الوحيد وعباءتها الوحيدة. وهو عمل لا يوفر إلا وجبة واحدة في اليوم. تواصل نون، التي ليس لديها تأمين صحي، الحديث: “أحد طفلي مصاب بالأنيميا، ذات يوم، ونظراً لضيق اليد، حاولت استدانة دواء من الصيدلي الذي رفض قائلًا أنها ليست بقالة”. أما زوجها فقد انتقل إلى ولاية أخرى، لكن العمل الذي وجده لا يوفر له سوى وجبة واحدة، ولا يستطيع إرسال المال لهم. تقول نون أن أختها لم تستطع إلحاق أطفالها بالمدرسة رغم أنها تسكن على بعد خطوات منها.

تلاميذ خارج المدارس ومعلمين بلا مرتبات

يحكي السيد معاوية، القاطن بحي اليرموك وهو أب لخمسة أبناء: “قبل أيام، عادت إحدى بناتي من المدرسة بسبب عدم دفع رسوم الامتحان، ذهبت إلى مكتب التعليم الذي حرر لي شهادة بعدم الطرد من المدرسة، لكن في صبيحة اليوم التالي تم طردها مرة أخرى، فذهبت معها لتخبرني مديرة المدرسة؛ إن على التلاميذ دفع رسوم أوراق الامتحان، وأنهم بدورهم يسلمون الرسوم للوزارة، فلو أن بالفصل خمسين تلميذة يجب دفع رسوم امتحان خمسين تلميذة، وإلا جاءت أوراق الامتحان ناقصة وهي مسؤولية لا تتحملها إدارة المدرسة لذا تقوم بطرد من لا يدفع”. 

كما يحكي أستاذ النور مهدي المعلم بالمدارس الابتدائية: “يتراوح معدل التلاميذ خارج المنظومة التعليمية قبل الحرب بين ١٠ _ ١٥ %، أما الآن، وفي ظل هذه الحرب فقد وصلت نسبتهم إلى ما بين ٦٥ _ ٧٠ % في ولاية شمال كردفان. كما وصل سعر الكتاب إلى عشرة آلاف جنيه، وبعض الكتب إلى خمسة عشر، وهو مبلغ لا يطاق لولي الأمر الذي بالكاد يستطيع توفير وجبة. لولا الأحداث لاستطعنا نحن المعلمين جمع كتب العام الماضي من الطلبة، ولأصبح الوضع أفضل قليلاً”. 

ولأن الطلاب لا يدفعون شيئًا، يعتمد الكثير من المعلمين على تجارات صغيرة داخل المدارس، كبيع الفول والحلوى، فأغلبهم لا يزالون يزاولون مهنة التدريس، رغم توقف المرتبات، ريثما يجدون عملاً أفضل حتى لو كان في مصنع، ويضاف إلى هذه الضائقة الاقتصادية تدمير البنية التحتية والمدارس، ففي بداية العام الدراسي، وقعت قذيفة في مدرسة أبو ستة، راح ضحيتها عدد من الطالبات. 

كوارث صحية مستفحلة ووعي بيئي متردي

لا تنحصر أزمات الأبيض في التردي الاقتصادي، فالوضع في القطاع الصحي كارثي، حيث انتشر مرض الكوليرا في المدينة ما أوجب ضرورة تضافر الجهود لدحره. السيد أحمد أحد قاطني ريف مدينة الأبيض ( قرية الشوشاية ) توفي والده بسبب المرض، ولحق به شقيقه الذي كان يرافق والده بعد خمسة أيام فقط، يقول أحمد: “كان الوباء في بداياته محصوراً، لكن وبسبب إهمال الجهات المعنية، وعدم توفير معدات الوقاية، وانعدام التغطية الإعلامية، انتشر بشكل مخيف، ما يرعبنا هو أن ينتقل الوباء إلى داخل أسوار المدارس”. 

أما السيدة سهير فتقول: ” لا يتعامل الناس بحذر مع المصابين، فتجدهم يتجمعون في بيت المتوفى، ما يساعد في انتشار المرض، يجب على الجهات المعنية أن توظف أجهزة الإعلام لتوعية المواطنين بخطورة المرض بصورة مكثفة، خصوصاً في ظل الحصار المضروب على الأبيض، والذي يصعب معه إسعاف المصابين من الأرياف والمناطق الطرفية بالمدينة”. وحسب إفادة أحد الأطباء العاملين بمستشفى الأبيض التعليمي أن المستشفى استقبلت ما يتراوح بين ٢٠ إلى ٢٥ حالة، تم ذلك في عنبر صغير بالمستشفى تم تحويله إلى مركز حجر صحي للكوليرا. وذكر طبيب يعمل لدى أحد المراكز الصحية أن المركز قام بتحويل ٣ حالات إلى مستشفى الأبيض التعليمي، كما أنهم يستقبلون يومياً كمية من المرضى المصابين بحمى الضنك، واصفاً الوضع الصحي في الولاية بالكارثي. 

تنتشر الوفيات في الولاية بسبب الحميات في ظل عدم توفر الخدمات العلاجية، وما يزيد الوضع سوءاً انعدام المرتبات وإضراب الأطباء عن العمل. كما توقفت محطة الأبيض الحرارية، إضافة إلى عدم توفر الأدوية والمحاليل الوريدية، وانعدام الأكسجين الصناعي بجميع مستشفياتها. مع ذلك، تتوفر بنسب متفاوتة بعض الدربات وأدوية الملاريا والحمى. قال أحد المرافقين، والذي توفى قريبه المريض الذي كان يرافقه، بسبب حمى الضنك بمستشفى الأبيض التعليمي، إن المستشفى يعاني من إهمال كبير، ولا يوجد أي خدمات مقدمة من جهة القائمين عليها، كما أن بنك الدم المركزي يعمل بدوام جزئي وأغلب الوقت يكون خارج الخدمة. الشيء الإيجابي الوحيد أن مركز الجميح لغسيل الكلى يعمل بصورة جيدة.

قابلات يعانين ونساء يفقدن أطفالهن

وفي ذات الإطار الصحي لكن في مجال أكثر خصوصية بالنساء نجد أن قسم النساء والولادة قد توقف تماماً عن الخدمة إلا في حالات الطوارئ. والخيار الوحيد المتبقي هو المستشفيات الخاصة باهظة الثمن، تقول القابلة عائشة: “وضع الحوامل بعد الحرب مختلف تماماً عما قبلها، فقد صار أغلبهن يعاني من فقر الدم. وفي هذه الحالة تضطر القابلة لتحويلهم للمستشفى خوفاً من حدوث مضاعفات، والسبب في ذلك دائماً هو عدم تناول وجبات مغذية ناهيك عن تناول الفيتامينات المكملة، حيث زادت وفيات الأمهات كثيراً عن ذي قبل. أما إذا أتت الحالة وهي تعاني من النزيف فإن إمكانية النجاة تكون شبه معدومة بسبب تردي الخدمات الصحية. كما أن أغلب الحالات تعاني من الملاريا. فإحدى الحوامل أتت مصابة بالملاريا وبعد أن قمت بتحويلها للمستشفى توفيت هناك. كانت الفقيدة قد اختفى زوجها وهي حامل في الشهر الثاني، ولم تلق أي رعاية. أتت أخرى وهي تعاني من فقر الدم، حينها اكتشفت أن الجنين ميت، وقمت بتحويلها للمستشفى حيث تم إنقاذها بحمد الله”.

لا تقل معاناة القابلات كثيراً. ليس لديهن مرتبات، والنساء اللاتي يأتين طالبات خدماتهن لا يملكن أموالًا لدفعها. ما جعل القابلة عائشة لا تستطيع توفير أكثر من وجبة لأولادها وأحفادها في أغلب الأوقات، لتقول أنه يجدر بلجان الحي النظر في هذا الأمر ومحاولة مساعدة القابلات. وتضيف أن وسيلة النقل الوحيدة للمستشفى أصبحت هي الكارو مما يعقد كثيراً من وضع الحالة الصحية.

زاريا الطاهر
المقالات +

 كاتبة، وفنانة تشكيلية وناشطة في مجال حقوق المرأة