الوعي النسوي في مقاومة عسكرة الدولة
شادية عبد المنعم
مقدمة
كتابة الشهادات الشخصية في وقت ما مُلحّة جداً، كسطر مهم في توثيق التاريخ. بشكل عام يُغفِل الأفراد تدوين شهاداتهم لتقديرات مختلفة، وأيضاً لظروف مختلفة؛ لكن حان الأوان لتعامل مختلف مع هذا الأمر، خاصة وأن هناك ثلاثة عقود من حياة الشعب السوداني تحت حكم ما يُسمَّى زوراً بالإنقاذ. لقد كانت تجربة مُختلفة ومريرة، أحاطت بها أسوار منيعة من المخاطر الأمنية على الأفراد، مما جعل هذه الشهادات الشخصية تدخل قسراً في مخزن الأسرار. بحكم وجودي بشكل يومي وسط حركة النساء المُقاوِمة للانقلاب، أجد نفسي شاهدة على كثيرٍ من محطات المقاومة النسائية لحكم ما يُسمَّى بالإنقاذ، وهذه محاولة لسرد الوقائع بالشكل الذي رأيته من زاويتي الشخصية.
منذ اللحظات الأولى للانقلاب العسكري، بدأت بوادر البطش بالأحزاب السياسية، التي رافقت الإجراءات الأولى من تعطيل الدستور واعتقال السياسيين وقادة الأحزاب وحلّ النقابات والاتحادات المهنية، وغيرها من بؤر المقاومة المُحتمَلة في تقدير الانقلابيين الإسلاميين. وبالطبع لم تسلم التنظيمات النسائية من تلك الإجراءات.
بالنسبة لحضور النساء في المشهد، هناك عاملان مهمان: الأول حضور النساء بكامل الوعي نسبة لخبرتهن المتراكمة في صراع الدكتاتوريات، إذ اتجهن للتنظيم منذ الأربعينيات، وشاركن في حركة المقاومة ضد الاستعمار، ثمَّ حضورهن السياسي المميز منذ تكوين الاتحاد النسائي الذي ركَّز على الحقوق السياسية التي عزَّزت من وضوح الرؤية بالنسبة للنساء، وبالتالي مشاركتهن في إسقاط دكتاتورية عبود وبعده النميري، مما جعل من الموقف النضالي للنساء مسألة محسومة مع اختلاف التكتيكات وأساليب العمل؛ أما العامل الثاني فكان تركيز نظام البشير منذ بداياته في التسعينيات وبتوجهه الأيديولوجي الديني والبطريركي، على ضرب الأحزاب السياسية والقمع المكثف للذكور، ومنح النساء خاصة المُنخرطات منهنّ في تنظيمات سياسية ومنظمات نسائية، قليلاً من هامش الحركة، جعلهنَّ قادراتٍ على بلورة موقف من نظام البشير، خاصة بعد اتجاهه إلى عسكرة وأسلمة الفضاء العام، بفرض ما يُسمَّى بالزي الإسلامي، والدفاع الشعبي، وسن القوانين التي ادعى أنها من الشريعة الإسلامية، والمُصمَّمة لقهر النساء وإعادتهن إلى “حوش الحريم”.
فمنذ عام 1989م، عندما حلَّ النظام جميع التنظيمات السياسية والنقابية والاتحادات النسوية والمنظمات الأخرى، عاد الاتحاد النسائي مرة أخرى للعمل السِّرّي، وتشرَّدت كوادره في المنافي، بينما تبعثرت التنظيمات النسائية الأخرى ومنها اتحاد النساء الديمقراطي[2].
ظناً منه بأنه أفرغ الساحة السياسية من التنظيمات النسائية الديموقراطية، كوّن النظام الحاكم في السودان الاتحاد العام للمرأة للسودانية، وضم في عضويته رموزَ وقيادات النساء الإسلاميات، كما تشكَّلت أيضاً عدد من الجمعيات المُوالية له مثل “نهضة عزّة” و”أخوات نسيبة” وغيرهما، واعتبرت مهمتها الأولى هي التعبئة السياسية للحرب الدائرة في الجنوب والمساهمة في الحشد لها، وتجييش المجتمع بالدعاية الحربية، والإسهام في تمويلها عبر أنشطة “زاد المجاهد” وغيرها، كأول بادرة نسائية ضد السلام والاستقرار في السودان تُنظّمها الحركة الإسلامية، مما شكل نوعاً من محاولة حرف الحركة النسوية السودانية وتحويلها من حركة اجتماعية وسياسية وطنية واعية إلى تيار يدور في فلك الحركة الإسلامية العالمية وحركات الهوس الديني؛ مما دفع التنظيمات النسائية المُناهِضة للحرب، بل للنظام برمته، إلى السعي لتكوين جبهات مقاومة مختلفة، إذ تكوَّنَ في عام 1992م التجمع النسائي السوداني ليضمَّ في عضويته عدداً من النساء المُنظَّمات في الأحزاب المُعارِضة، ومن ضمنهن بعض الناشطات السياسيات المعروفات مثل السيدة سارة نقد الله والسيدة نعمات مالك، كما اغتنمت عددٌ كبيرٌ من الناشطات الثغرات في قانون العمل الطوعي بذكاء شديد، وكَوَنَّ عدداً من المنظمات والجمعيات التي جرى استغلالها بذكاء شديد لتنظيم المقاومة النسوية.
محطات مهمة في مقاومة عسكرة الدولة وتخريب الحياة الاجتماعية والسياسية:
المحطة الأولى
في العام 1991 كان قد سَنَّ النظام القانون الجنائي الذي يحوي من المادة 151 إلى المادة 155 موادّ تجرم سلوك النساء. وفي العام 1993 صدرت أوامر محلية عرفت في مجموعها بقانون النظام العام وأوكلت للشرطة مهمة تطبيقه، الأمر الذي مكنها من ملاحقة النساء في الشوارع والقبض عليهن والحكم عليهن بالجلد الذي يطبق فورياً فيما يُعرف بالمحاكمات الفورية، وسط تعتيم إعلامي. وقد كانت هناك فوضى قانونية, فهناك مواد في القانون الجنائي أوكل إلى الشرطة مهمة تنفيذها على أيدي قضاة في محكمة للنظام العام، ليس لديها أمر تأسيس، مما صعَّبَ مهمة محاصرتها ومقاومتها، مما يدل على أن النظام يسعى لعسكرة الفضاء العام بخبث. وسَيَّرَ النظام ما يُعرَف بـ”الكَشَّات” مستهدفةً الشباب والشابات في محاولة لأسلمة المجتمع، حيث يساق الشباب إلى معسكرات التجنيد الإجباري بعد اختطافهم في شاحنات عسكرية؛ بينما كانت تطوف شاحنات الشرطة “الدفارات” في الشوارع للقبض على الشابات، ونقلهنّ إلى أقسام الشرطة بتهم عديدة منها الزي الفاضح أو الإخلال بالنظام العام، مما دفع العديد من الناشطات إلى المقاومة بشتى الوسائل.
وتحت شعار إقلاق النظام، سَيَّر التجمع في عام 1993م مسيرة لتسليم مذكرة لمكتب الأمم المتحدة بالخرطوم ورئاسة الوزراء احتجاجاً على الزج بطلاب المدارس في ساحات القتال الدائر في الجنوب، دون علم ذويهم في بعض الأحيان، فتصدى النظام بعنف لتلك المسيرة السلمية، وقدم بعض المشاركات فيها لمحاكمة فورية، حكمت بجلدهن في ساحة عامة، ولم يُنفّذ الجلد بواسطة السلطة المختصة بتنفيذ الأحكام، بل أمروا السجينات في قضايا بيع الخمور والقضايا الأخلاقية بتنفيذ الجلد بحق المُشاركات في المسيرة، ظناً منهم أن تنفيذ الأحكام بهذه الطريقة يضاعف الإهانة للسيدات، بل جرى جلد سيدات يفوق عمرهن الستين عاماً، ولهن مكانتهن المرموقة في المجتمع، مثل الأستاذة سعاد إبراهيم أحمد الأستاذة الجامعية المعروفة، والتي تُعَدُّ من أوائل السودانيات اللائي عملن في سلك التدريس الجامعي. وفي حقيقة الأمر، أدت هذه الحادثة لوضع النساء أمام خيارين لا ثالث لهما، إذ يعني استمرار وجوده، إما أن يفنين أو يعشن مهددات بفقدان فلذات أكبادهن وقوداً لحرب عبثية وأن يتقبلن الخضوع والذل ويعشن فاقدات الطموح وروح الحياة، فاخترن المقاومة.
وقد احتدت المواجهة في العام 1996، إذ تمت محاصرة النظام خاصة في مسألتي التجنيد الإجباري لتلاميذ المدارس وقانون النظام العام. وقد رعت منظمة فريدريش إيبرت ورشة دعت لها عدداً كبيراً من الناشطات إلى جانب الإعلامي المقرب من النظام بابكر حنين ومدير شرطة النظام العام لمناقشة قانون النظام العام. وأسفرت الورشة عن تغيير اسم القانون إلى قانون أمن المجتمع وإصداره في نسخة جديدة لامتصاص غضب النساء ومقاومتهن، في حين بقيت المواد 151 إلى المادة 155 في القانون الجنائي وتحايل النظام باستيراد تلك المواد لمُلاحقة النساء بواسطة أقسام شرطة أمن المجتمع ومحاكمة النساء بها في محاكم النظام العام.
وفي المقابل لهذه المقاومة، كوَّنت السلطة في الخرطوم في العام 1994م الاتحاد النسائي الإسلامي العالمي، بجهود واضحة للاتحاد العام للمرأة السودانية، وقد جُمعت لهذا الحشد كل المنظمات النسوية التي أفرزها تيار الإسلام السياسي لمواجهة المقاومة النسائية.
المحطة الثانية:
في سبتمبر 2000 أصدر مجذوب الخليفة والي ولاية الخرطوم آنذاك، قراراً بمنع النساء من العمل، الأمر الذي قوبل بمعارضة كبيرة من النساء، ومواجهات أدت إلى ملاحقة واستدعاء عدد منهن إلى مكاتب جهاز الأمن؛ إلا أن هذا لم يرعب النساء فتواصلت المقاومة التي وُوجهت بالتنكيل من جانب النظام، فنظمت النساء تظاهرة قُمِعتْ بالقوة واعتُقلت 26 متظاهرة، وحُوِّلنَ إلى اقسام الشرطة توطئة لمحاكمتهن؛ إلا أن النساء قرَّرْنَ التصعيد فتقدَّمْنَ بطعنٍ ضد القرار في المحكمة الدستورية، وحشدنَ أعداداً كبيرة من المحامين والمتضامنين، وحكمت المحكمة لصالح النساء، الأمر الذي أثار غضب الوالي الذي أصر على تحدي قرار المحكمة التي هددت باستخدام القوة ضد الوالي، وحَشَدَ بدوره دعمَ البرلمان ومجلس الوزراء. وانتهت المعركة بإقالته من منصبه وتعيينه وزير دولة في وزارة الزراعة.
المحطة الثالثة
استمر القمع حتى بلغ تنكيل واستفزاز شرطة النظام العام حدّاً قررت بعده النساء مواجهته بحسم. هاجمت شرطة النظام العام في 2009 مقهى في العاصمة، واقتادت عدداً من الفتيات بينهن صحفية قررت رفض حكم الجلد بحقها، وتضامنت معها أعداد كبيرة من النساء، وكوَنَّ مبادرة “لا لقهر النساء” كمجموعة ضغط لمناهضة قانون النظام العام. وسيرن عدداً من التظاهرات ضد القانون وتعرضن للاعتقال والمطاردة والفصل من العمل والتشريد.
استمرَّت مقاومة النساء، بينما استمرَّ العنف نفسه من قتل واغتصاب وأحكام بالجلد ومحاكمات (مثال: قضية مقتل بائعة الشاي في ميدان جاكسون بعد مطاردة الشرطة لها، قضية لبنى أحمد حسين، قضية سلفيا، قضية صفية إسحاق وقضية فتاة اليوتيوب الشهيرة).
فمنذ بداية حكم الإنقاذ بالانقلاب العسكري في يونيو 1989، كانت المقاومة النسوية للنظام تتم عبر التنظيمات السياسية المُعارِضَة مثل التجمع الوطني الديمقراطي والاتحاد النسائي، وعبر المقاومة الفردية من خلال الصدام مع أجهزة النظام الأمنية مثل مقاومة العاملات في المجتمع المدني والصحفيات، والنساء العاملات في القطاع غير المنظم (مثال بائعات الأطعمة والمشروبات)، وحتى في القطاع المنظم مثل العاملات في الأماكن العامة. وكانت المقاومة النسوية لرجال الشرطة والأمن بشكل مباشر، وما يستتبع تلك المواجهات من عنف قد يصل للموت أو الاغتصاب أو الحبس دون محاكمات، أو بقوانين استثنائية مثل قانون النظام العام لولاية الخرطوم العاصمة، وتوجد قوانين مشابهة له في الولايات على نحو أو آخر، لكن نجد أن النساء على مر الثلاثين سنة من حكم البشير، قد ابتدعن أشكالاً مختلفة من الأجسام المقاومة لعسكرة وأسلمة الفضاء العام. وفي ذلك استخدمن العديد من الوسائل كالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بكتابة المقالات والبيانات والتحريض على المقاومة، ونظمن مجموعات العون الطبي والقانوني مما جعل مشاركتهن في ثورة ديسمبر 2019 واضحة ومنظمة، بسبب تراكم تجربتهن في العمل المشترك والنضال في خندق واحد باعتبارهن الأكثر تضرراً من سياسات نظام البشير.
مصادر:
- محاسن عبد العال، “المرأة السودانية والعمل السياسي” ١٩٩٩، الخرطوم.
- حاجة كاشف بدري، “الحركة النسائية في السودان”، دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر، الطبعة الثانية ٢٠٠٢.
- نازك كبلو، “السودان: الثورات تصنعها النساء”، نظرة، يوليو ٢٠١٢، مدونة.
https://nazra.org/2012/07/السودان-ثورات-تصنعها-النساء
4. شادية عبد المنعم محمد أحمد، المشاركة السياسية للمرأة السودانية، ٢٠١٤، الحوار المتمدن.



