نوفيلا
عزّية 2
أميمة الزبير
صباح جديد … شاطىء غريب
” ما لم تتلقاه من الحب ليس أقسى ما يعنيه أن تكون منبوذاً، بل ما لم يرغب فيه أحد من حب تتوق أن تعطيه”.
جودي بلانكو
يعتاد المرء على روتين يومي لفترة طويلة، فتغيب عنه بعض التفاصيل المكررة، وحق لها الغياب، فالعقل لا يحتمل هذا الملل كله. نعم، أجد في حضور الذهن والتركيز أثناء مهامي العادية اليومية راحة عجيبة، لكن، إذا فكرت بعقليتي الماضية، أجدني أرتاح أيضاً لتلك الانفراطات اللذيذة للذاكرة، والتي تشبه طي المسافات المكانية والزمانية أيضاً، عندما استيقظ من النوم لأبدأ الاستعداد للخروج للعمل، ولا أنتبه إلا وأنا في مهب الريح الباردة الجميلة واللطيفة، تُنعشني كل صباح على شاطئ البلدة الهادئة الحذرة. يا له من شاطىء غريب، يُنبهني كلما حاولت الاقتراب منه، لوجوده، كأنه يُحثني على الدخول إلى عالمه بذهن حاضر، ربما هذه المحاولات هي التي جعلتني أنتبه لوجود عزّية انتباهاً مختلفاً عن انتباه بقية الناس في هذه البقعة من الأرض. قررت أن اتَّبع نهجاً عشوائياً وغير مألوف في الوقت ذاته، نعم العشوائية تختلف عن غير المألوف لأنها سهلة، وما كان سهلاً سُهَل التآلف معه. حسناً سأسأل عنها الناس، آملة أن أعرف أحكامهم عليها، أعرفها منهم مباشرة، كي تأتي محددة واضحة مع طابع ودليل على مدى تصالح الإنسان مع رأيه في الآخر، فهو دائماً وبدون اجتهاد من السائل سيحاول تبرير رأيه وحكمه، أو التملص من مسؤوليته في إطلاق هذا الحكم أو ذاك، وهذا يشي بالكثير عن رأيه الحقيقي، بعيداً عن محاولته التماهي مع المجتمع، والامتثال للتقاليد، والحرص على عدم الخروج عن دائرة الرضا الاجتماعي إلى جحيم السخط والنبذ، أو ربما كان يتبدى له كذلك، مع أنّه لن يكون في تلك القسوة التي تضعه مع الجحيم في رتبة واحدة. الأشياء تبدو كتحذير أقوى منها كحقائق معاشة، كثيراً ما خفنا من أمر نحذره ونتحاشاه ولكن عبرنا محنته بسهولة غير متوقعة. لهذا لا أظن أن المنبوذين يعانون كثيراً، بل أعتقد أنّهم في راحة من أشياء مزعجة كثيرة، أولها توقعات الناس، وبالتأكيد منها النفاق والتمثيل والتظاهر الذي يحتاج إلى جهد كبير جداً، مُصِيباً المرء بإرهاق عجيب لا يجرؤ حتى على مواجهته والتعرف إليه وجهاً لوجه، بل يبحث عن ضالته في مكان آخر، حيث يجد النور راحته، فيمنحه القدرة على الرؤية، لكنه يتجاهل، أيضاً، وينكر، أحياناً، حقيقة أن ما يبحث عنه ليس موجوداً هنا، بل هناك في الخزانة المظلمة من عقله المنقاد بدافع الحفاظ على السلام الاجتماعي.
السلام الذي لا يكون حقاً إلا بالتقبل لجميع أفراد المجتمع، واختلاف آرائهم ووجهات نظرهم، التي هي حقيقة طبيعية لا ينبغي أن يماري فيها أحد ولو مراءاً خفياً، فإن كان البنان مختلفاً فكيف بالجنان؟ والوجدان؟
حسناً لن يؤدي بي هذا الحوار الأحادي إلى مكان، سأتحدث إلى أحدهم، سأختار الحديث إلى أحبهم إليها، وأقساهم عليها، أو أبغضهم إليها، رغم أنّها لا تَعرف البغض أبداً، وربما تحب ما يدفعها للبغض، وتحنو عليه وتدرك أن له أسباباً تدعوه إلى ذلك لا علاقة لها بغيره. فما داخل الإنسان هو ما يحدد مشاعره، لأنه يحب ما يرتاح إليه، ويبغض دونه، دون ذنب لمتلقي هذه المشاعر أيا كان نوعها.
أذكر أول عهدي عندما أتيت إلى هذه البلدة كوافدة جديدة، وكنت أسعى إلى التعرف عليها، حدثني الناس عن أشياء مختلفة، عن أفضل مكان لشراء الضروريات المنزلية، وأمهر الطبيبات والأطباء، والصيادلة، والممرضات والممرضين، ومواقيت فتح الأسواق، وأفضل الخياطات والخياطين، وتجار الأقمشة، وأسعار الأغراض المختلفة، وعن شخصيات البلدة أيضاً، حدثوني عن الوسيم الذي يخرج لتشجيع فريق الكرة في القرية، والذي يكاد لا يبين قولاً لكنه لا يتخلف عن أي مباراة، ويشتري عبوتين من التبغ المعطن مرتين في الاسبوع، واحدة له وأخرى لوالدته الضريرة الجميلة التي ورث منها هذه الوسامة. اسمه عبد الرحيم، لكنهم ينادونه الوسيم، وأحياناً ود عز، اختصاراً لاسم والدته “العزيزة”، وقد كانت اسماً على مسمى فهي عزيزة على جميع أهل البلدة، ولو قسم حنانها على العالم لكفاه وزاد.
حدثوني عن أماني البنت التي لا تكبر أبداً، والتي تصحب خالتها المعلمة يومياً إلى المدرسة صباحاً، وإلى درس العصر الذي تؤمه النساء والفتيات اللواتي لم يلتحقن بمسيرة التعليم النظامي في طفولتهن، فيدرسن هناك الكتابة والقراءة باللغة العربية، والعمليات الحسابية الأساسية من جمع وطرح وضرب وقسمة. وفي نهاية المنهج من كل عام يُمنحن شهادة محو الأمية، كانت أماني تأخذ الشهادة سنوياً، ولكنها لم تشبع أبداً من الدراسة، أو ملت من التكرار، ما يحثها على التوقف. ربما لم يكن لديها نشاط آخر، وقيل أيضاً أنها تتفادى معاملة أخيها الخشنة العنيفة بالخروج مع الخالة التي لم تنجب رغم زواجها الطويل السعيد، فتزوج عليها زوجها لاحقاً وتفرغت هي لمحو أمية الأطفال والنساء، فصارت بطلة قروية لا يعرف قيمتها إلا أهل البلدة لكن لا يفعلون أيضا أي شيء لمساعدتها، أو هذا ما لاحظته. لا يحاولن مساعدتها في المنزل، فقد كبر سنها وصعبت عليها الأعمال في عدم وجود بنات أو أولاد يساعدونها، بالإضافة إلى ذهاب زوجها لامرأة أخرى طلباً للذرية. فقدمت لأبناء أخيها منزلها هبة عسى أن يخدمها أحدهم عندما تكبر، لكن للأسف لم يحدث هذا. كانت أماني تساعد بحسب مزاجها، فهي تعاني نوعا من أنواع التخلف الذهني، يجعل منها طفلة، رغم سنوات عمرها التي زادت على الثلاثين.
حدثوني أيضاً عن موسى العاشق الذي أجبرته والدته على تطليق زوجته بعد أن عاد من انتداب في إحدى دول الشرق دام ستة أعوام، فطلق بنت عمه، وصار يهيم في الشوارع يبكي ويشكو وجده وشوقه وتفريطه فيها، إلى أن وافته المنية قبالة بيتها، فاتٌهمت طليقته أنها قتلته بالأسحار انتقاماً لتطليقه لها بلا ذنب. ولا أحد يعرف إن كانت قد فعلت ذلك حقاً، أم هي لوعة العشق المستحيل؟
كانت الشخصيات كثيرة، حتى أنني كدت أظن أن البلدة كلها مثل عزّية، غريبة من ناحية ما، لكن، في الحقيقة هذا هو ديدن الإنسان، مختلف بشكل أو بآخر عن غيره من الناس، لكن تتفاوت هذه الاختلافات في حدتها أو في نوعها، أو مدى اقترابها أو ابتعادها عن المألوف المعتاد، أو عن شأن الأغلبية الذي عرفه الناس. وهنا تكمن التحديات والمحن والرزايا التي تغير أقدار الناس في كثير من الأحيان، وتبدل أقدار العالم في كل الأحيان، فجميع الاختراعات أو الاكتشافات أو الريادات الاجتماعية والعلمية والسياسية والاقتصادية والإبداعية لم تخل من قادة مختلفين على نحو ما، وأحياناً كثيرة لم ينجوا من محنة النبذ والطرد من رحمة المجتمع ورحم الأمة، ليلحقهم طرد موجع يبعث على تحولات كبرى باتجاه السماء مجداً، ونجاحاً وإنجازاً مميزاً أو تدفع به إلى أعماق هوة سحيقة من الجنون أو الحزن أو الشقاء حتى الموت، والمصير الأخير هو مصير عزّية.
أذكر في إحدى المرات التي استدركتْ فيها زميلة بعض الشخصيات المنسية، أنّها تحدثت عن حبيب لعزّية. الحقيقة لا أنكر هنا أني عندما فتحت قلبي لهذه البلدة بما فيها من بشر ومعتقدات، تقبلتُ كل شيء تقبلتُ الظالم والمظلوم، والقاسي والرحيم، والجلاد والضحية. لا أعرف إن كان هذا ميزة أو عيباً، عندما استمع لقصة ما لا افترض شيئاً، ولا أطلق حكماً، بل أتماهى في شخصية الراوي، حتى أنه يلزمني جهداً كبيراً لأعود إلى نفسي بعد أن تنتهي الحكاية. اكتسبت هذه الصفة وأنا أحاول تطبيق العدل والإنصاف في حياتي وعلى نفسي، ولا أظلم بفكرة ما أي شخص، لأني رأيت ما يعنيه ذاك الظلم والحجر على الآراء والقناعات في نفسي، فلم أحب أن أوقعه بأحد، ولو كان بيدي لجعلت العالم كله يتسامح مع حرية التعبير والتفكير طبعا في حدود الضمير والمسؤولية. هذا باب جدل لا نهاية له تُرى من هنا.
أعود للذكرى، لم أكن حينها أظن أنني سأهتم لدرجة كتابة قصة حياة عزّية، لكني شعرت بشيء غريب وأنا أسمع زميلتي تقول أنّ هناك شخصية مختلفة أخرى، رجل، اسمه علي الصائغ، ينتمي لعائلة كبيرة، وهو شخص عاطفي وحسن الهيئة لطيف الحديث وحلو المعشر، كان فارس أحلام جميع بنات البلدة، وفخر والدته وأسرته. كان هذا الرجل يحب عزّية في صباه، وكانت تحبه، ويقال أنها تحبه حتى الآن، لكن لم يقل أي منهما شيئاً يؤكد ذلك، على الأقل ليس في حضور أحد من القرية. وأن هذا العشق كان حديث المحافل، ومثار تندر في المقاهي والمناسبات لفترة من الزمن ليست قصيرة، قبل أن يتزوج علي من إحدى الفتيات الجميلات وينتهي مشوار العشق المستحيل، إلا من نظرات يتوهم البعض رؤيتها تروح وتجيء بين عزّية وعلي. رغم ما يقولون عن جفاءها العام وخفاف حديثها من العواطف الذي وصل حد استبعادهم قصة العشق هذه من الأساس، لكني كنت أصدق بإيمان قصة العشق اليتيم قصير العمر هذا.
أردت الحديث إلى علي لأعرف حكايته مع عزّية، والجانب الذي يراه وحده من قصة حياتها. فكل شخص نعرفه يرانا في ضوء مختلف عن البقية، وهذا أمر آخر يضاف إلى مسألة الاختلاف بين البشر في زوايا الرؤية والرأي، لكنه لا يتعارض مع وحدة الحكاية رغم تعدد جوانبها، مثل دائرة الأفلاك واحدة وذات اثني عشر وجه، كمكعب افلاطون المعيني ذي الاثني عشر وجهاً. ورقم 12 له في قلبي مكان خاص، وبالدرجة ذاتها رقم 3 و 21، سأستنطق هذه الأرقام في ما يتعلق بقصة عزّية وهذا في باب آخر لا أتوقع أن يفهمه الواقعيون ولا المتهكمين من العلوم القديمة التي تبحث في العلاقات الخفية بين الكائنات والموجودات انطلاقاً من وضعها التذبذبي الذي يمكن فهمه بسهولة من خلال تحويله إلى أرقام، وهو علم لم يغب عن تاريخ أي حضارة بائدة أو سائدة، فمثلما تحدث عنه الخيميائيون العرب، حشد له الأسانيد خيميائي اليهود، والفرنجة، والهند، والسند، والصين، واليابان، والمايا، والهنود الحمر وغيرهم من الشعوب، التي لم أتعرف على بعض معارفها القديمة في الأرقام والأعداد كحلقة وسطى بين الخفي والظاهر من الظواهر والأحداث والصيرورات البشرية والكونية.
لكن هذه رحلة أخرى سنحسبها معاً بعد أن نتعرف على عزّية بعيون وفكر وقلب علي الصائغ، الذي سَهّل علي أمر سؤاله أنه سألني عنها ذات مرة، لا أقول أنه كان يتحين بذلك فرصة الحديث إلي، وإن كنت أعتقد ذلك في البداية، إلا إنّه كان يسأل الجميع وكان حقاً يريد أن يعرف أين هي لأغراض يعرفها الجميع، فهما يشتركان في أعمال البيع والشراء في أحيان كثيرة، ومرات أخرى كانت تبحث عنه هي، لكن ليس بقدر ما يفعل هو. قررت أن أعاجله في المرة القادمة التي أراه فيها بسؤالي عنها، وسيكون هذا جميلاً لو رأيته في رحلة عودتي إلى البلدة مساءً على المعدية، حيث النيل والهواء اللطيف والخلو من هموم اليوم بعد انتهاء العمل والإرهاق، قد تتضافر هذه العوامل جميعها لتُسهِّل عليه البوح وتُسهِّل علي استنطاقه.
جاءت الساعة الموعودة وألقيت بسؤالي في وجهه فجأة ولكن بلطف وفضول ظاهر، وعلى وجهي ابتسامة نادرة تغريه بالاجابة هذه المرة حتى لا يخسرها، لم أكن أظنني من هذا النوع الذي يلجأ إلى الإغراء الطبيعي ليحصل على مآربه من الناس، لابد أنّها بذرة منسية لتلاعب لم تصل إليها يد التحسين المستمر الذي كنت أجريه على نفسي وأنا أرى دواخلي في مرايا الناس من حولي، سواء أكانوا أهلي، أم أهل زوجي، أو أهل البلدة، أو المرضى، أو الزملاء أو عابري السبيل. كنت أرى الجميل فأحاول أن أكون مثله، وأرى السيء فأجفل من نفسي التي تشبهه، ولكن يبدو أنّها رحلة طويلة، ولايهمني ذلك ففي هذه الرحلة متعة لا أجدها حتى في عملي، أو حضن زوجي وعيني طفلي الوحيد.



